تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إياك وأن تظهر منك تبرم بطول مجلسك، أو تضجر ممن حضرك؛ وعليك بالتثبت عند سورة الغضب، وحمية الأنف، وملال الصبر في الأمر تستعجل به والعمل تأمر بإنفاذه؛ فإن ذلك سخف شائن، وخفة مردية، وجهالة بادية. وعليك بثبوت المنطق، ووقار المجلس، وسكون الريح، والرفض لحشو الكلام، والترك لفضوله والإغرام بالزيادات في منطقتك، والترديد للفظك: من نحو اسمع، وافهم عني، ويا هناه، وألا ترى، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصرة بأهل العقل، الشائنة لذوي الحجا في المنطق، المنسوبة إليهم بالعي، المردية لهم بالذكر. وخصال من معايب الملوك، والسوقة عنها غبية النظر إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلما حامل لها، مضطلع بها، صابر على ثقلها آخذ لنفسه بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفظ منها، واملك عليها اعتيادك إياها معتنيا بها، منها كثرة التنخم، والتبصق، والتنخع، والثؤباء، والتمطي، والجشاء، وتحريك القدم، وتنقيض

88

الأصابع، والعبث بالوجه واللحية أو الشارب أو المخصرة أو ذؤابة السيف، أو الإيماض بالنظر، أو الإشارة بالطرف إلى بعض خدمك بأمر إن أردته، أو السرار في مجلسك، أو الاستعجال في طعمك أو شربك. وليكن طعمك متدعا، وشربك أنفاسا، وجرعك مصا. وإياك والتسرع إلى الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور، والشتيمة بقول: يابن الهناه؛ أو الغميزة

89

لأحد من خاصتك بتسويغهم مقارفة الفسوق بحيث محضرك أو دارك وفناؤك: فإن ذلك كله مما يقبح ذكره، ويسوء موقع القول فيه، وتحمل عليك معايبه، وينالك شينه، وينتشر عليك سوء النبإ به. فاعرف ذلك متوقيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته.

استكثر من فوائد الخير: فإنها تنشر المحمدة، وتقيل العثرة؛ واصبر على كظم الغيظ: فإنه يورث الراحة، ويؤمن الساحة؛ وتعهد العامة بمعرفة دخلهم، وتبطن أحوالهم، واستثارة دفائنهم؛ حتى تكون منها على رأى عين، ويقين خبرة؛ فتنعش عديمهم، وتجبر كسيرهم؛ وتقيم أودهم، وتعلم جاهلهم، وتستصلح فاسدهم: فإن ذلك من فعلك بهم يورثك العزة، ويقدمك في الفضل؛ ويبقي لك لسان الصدق في العاقبة، ويحرز لك ثواب الآخرة، ويرد عليك عواطفهم المستنفرة منك، وقلوبهم المتنحية عنك.

قس بين منازل أهل الفضل في الدين والحجا والرأي والعقل والتدبير والصيت في العامة وبين منازل أهل النقص في طبقات الفضل وأحواله، والخمول عند مباهاة النسب؛ وانظر بصحبة أيهم تنال من مودته الجميل، وتستجمع لك أقاويل العامة على التفضيل؛ وتبلغ درجة الشرف في أحوالك المتصرفة بك. فاعتمد عليهم مدخلا لهم في أمرك، وآثرهم بمجالستك لهم مستمعا منهم؛ وإياك وتضييعهم مفرطا، وإهمالهم مضيعا.

هذه جوامع خصال قد لخصها لك أمير المؤمنين مفسرا، وجمع لك شواذها مؤلفا، وأهدها إليك مرشدا؛ فقف عند أوامرها، وتناه عن زواجرها، وتثبت في مجامعها؛ وخذ بوثائق عراها، تسلم من معاطب الردى، وتنل أنفس الحظوظ ورغيب الشرف؛ وأعلى درج الذكر، وتأثل

90

سطر العز. والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع المزيد، وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوغك إياها، وعافية يحلك أكنافها، ونعمة يلهمك شكرها: فإنه الموفق للخير، والمعين على الإرشاد؛ منه تمام الصالحات، وهو مؤتي الحسنات، عنده مفاتيح الخير، وبيده الملك وهو على كل شيء قدير.

فإذا أفضيت نحو عدوك، واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل دعامتك التي تلجأ إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي منالة الظفر به وتكتهف

91

به لمعالق الحذر، تقوى الله مستشعرا لها بمراقبته، والاعتصام بطاعته متبعا لأمره، مجتنبا لسخطه، محتذيا سنته، والتوقي لمعاصيه في تعطيل حدوده، أو تعدي شرائعه؛ متوكلا عليه فيما صمدت له، واثقا بنصره فيما توجهت نحوه، متبرئا من الحول والقوة فيما نالك من ظفر وتلقاك من عز، راغبا فيما أهاب

عصر المأمون · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢١٥