86
نازل، وتتعقب به أمورك في التدبير. فإن احتجت إلى مادة من عقلك، وروية من فكرك، أو استنباط من منطقك؛ كان انحيازك إلى ظهريك مزدادا مما أحببت الامتياح منه والامتياز؛ وإن استدبرت
87
من أمورك بوادر جهل أو مضي زلل أو معاندة حق أو خطل تدبير، كان ما احتجنت إليه من رأيك عذرا لك عند نفسك، وظهريا قويا على رد ما كرهت، وتخفيفا لمئونة الباغين عليك في القالة وانتشار الذكر؛ وحصنا من غلوب الآفات عليك، واستعلائها على أخلاقك.
وامنع أهل بطانتك وخاصة خدمك من استلحام أعراض الناس عندك بالغيبة، والتقرب إليك بالسعاية، والإغراء من بعض ببعض؛ أو النميمة إليك بشيء من أحوالهم المستترة عنك، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النصيحة ومذهب الشفقة: فإن ذلك أبلغ بك سموا إلى منالة الشرف، وأعون لك على محمود الذكر، وأطلق لعنان الفضل في جزالة الرأي وشرف الهمة وقوة التدبير.
واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق، وعن القطوب بإظهار الغضب وتنحله: فإن ذلك ضعف عن ملك سورة الجهل، وخروج من انتحال اسم الفضل. وليكن ضحكك تبسما أو كشرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كل رائع مستخف مطرب، وقطوبك إطراقا في مواضع ذلك وأحواله، بلا عجلة إلى السطوة ولا إسراع إلى الطيرة، دون أن تكنفها روية الحلم؛ وتملك عليها بادرة الجهل.
إذا كنت في مجلس ملئك، وحيث حضور العامة مجلسك، فإياك والرمي بنظرك إلى خاص من قوادك، أو ذي أثرة عندك من حشمك. وليكن نظرك مقسوما في الجميع، وإراعتك سمعك ذا الحديث بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مجتمع، وقلة تضجر بالمحدث. ثم لا يبرح وجهك إلى بعض حرسك وقوادك متوجها بنظر ركين، وتفقد محض. وإن وجه إليك أحد منهم نظرة محدقا، أو رماك ببصره ملحا، فاخفض عنه إطراقا جميلا باتداع وسكون. وإياك والتسرع في الإطراق، والخفة في تصريف النظر، والإلحاح على من قصد إليك في مخاطبته إياك رامقا بنظره.
واعلم أن تصفحك وجوه جلسائك وتفقدك مجالس قوادك من قوة التدبير، وشهامة القلب، وذكاء الفطنة، وانتباه السنة. فتفقد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم اعد بهم عن ذلك سائلا لهم عن أشغالهم التي منعتهم من حضور مجلسك، وعاقتهم بالتخلف عنك.
إن كان أحد من حشمك وأعوانك تثق منه بغيب ضمير، وتعرف منه لين طاعة، وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإياك والإقبال عليه في كل حادث يرد عليك، والتوجه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، وأن تريه أو أحدا من أهل مجلسك أن بك حاجة إليه موحشة، أو أن ليس بك عنه غنى في التدبير، أو أنك لا تقضي دونه رأيا، إشراكا منك له في رويتك، وإدخالا منك له في مشورتك، واضطرارا منك إلى رأيه في الأمر يعروك، فإن ذلك من دخائل العيوب التي ينتشر بها سوء القالة عن نظرائك، فانفها عن نفسك خائفا لاعتلاقها ذكرك، واحجبها عن رويتك قاطعا لأطماع أوليائك عن مثلها عندك، أو غلوبهم عليها منك.
واعلم أن للمشورة موضع الخلوة وانفراد النظر، ولكل أمر غاية تحيط بحدوده، وتجمع معالمه. فابغها محرزا لها، ورمها طالبا لنيلها؛ وإياك والقصور عن غايتها أو العجز عن دركها، أو التفريط في طلبها. إن شاء الله تعالى.
إياك والإغرام عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ازدهاك بكثرة السؤال، أو القطع لحديث من أرادك بحديثه حتى تنقضه عليه بالخوض في غيره أو المسألة عما ليس منه: فإن ذلك عند العامة منسوب إلى سوء الفهم وقصر الأدب عن تناول محاسن الأمور والمعرفة بمساويها، ولكن أنصت لمحدثك وأرعه سمعك حتى يعلم أن قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله؛ فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد علم بطلبته؛ وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجب من حديثه بالتبسم والإغضاء، فأجزى عنك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب.