تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن أقواما يتسرعون إليك بالسعاية، ويأتونك على وجه النصيحة، ويستميلونك بإظهار الشفقة، ويستدعونك بالإغراء والشبهة، ويوطئونك عشوة الحيرة؛ ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال العامة بموضعهم منك في القبول منهم والتصديق لهم على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا بك في أمره إلى الظنة؛ فلا يصلن إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة فيعرضك لإيتاغ

80

دينك، ويحملك على رعيتك بما لا حقيقة له عندك، ويلحمك

81

أعراض قوم لا علم لك بدخلهم،

82

إلا بما أقدم به عليهم ساعيا وأظهر لك منهم منتصحا. وليكن صاحب شرطتك المتولي لإنهاء ذلك هو المنصوب لأولئك، والمستمع لأقاويلهم، والفاحص عن نصائحهم؛ ثم لينه ذلك إليك على ما يرفع إليه منه لتأمره بأمرك فيه، وتقفه على رأيك من غير أن يظهر ذلك للعامة، فإن كان صوابا نالتك خيرته، وإن كان خطأ أقدم به عليك جاهل، أو فرطة سعى بها كاذب، فنالت الساعي منها أو المظلوم عقوبة، أو بدر من واليك إليه عقوبة ونكال، لم يتعصب

83

ذلك الخطأ بك ولم تنسب إلى تفريط، وخلوت من موضع الذم فيه محضرا إليه ذهنك وصواب رأيك.

وتقدم إلى من تولى ذلك الأمر وتعتمد عليه فيه ألا يقدم على شيء ناظرا فيه، ولا يحاول أخذ أحد طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكلا به، ولا يخلي سبيل أحد صافحا عنه لإصحار

84

برائته وصحة طريقته، حتى يرفع إليك أمره، وينهي إليك قضيته على جهة الصدق، ومنحى الحق، ويقين الخبر؛ فإن رأيت عليه سبيلا لمحبس أو مجازا لعقوبة، أمرته بتولي ذلك من غير إدخاله عليك، ولا مشافهة لك منه؛ فكان المتولي لذلك ولم يجر على يديك مكروه رأي ولا غلظة عقوبة. وإن وجدت إلى العفو عنه سبيلا، أو كان مما قرف به خليا، كنت أنت المتولي للإنعام عليه بتخلية سبيله، والصفح عنه بإطلاق أسره؛ فتوليت أجر ذلك واستحققت ذخره، وأنطقت لسانه بشكرك، وطوقت قومه حمدك، وأوجبت عليهم حقك؛ فقرنت بين خصلتين، وأحرزت حظوتين: ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذكر في الدنيا.

ثم إياك أن يصل إليك أحد من جندك وجلسائك وخاصتك وبطانتك بمسألة يكشفها لك، أو حاجة يبدهك بطلبها، حتى يرفعها قبل ذلك إلى كاتبك الذي أهدفته لذلك ونصبته له، فيعرضها عليك منهيا لها على جهة الصدق عنها، وتكون على معرفة من قدرها: فإن أردت إسعافه بها ونجاح ما سأل منها، أذنت له في طلبها، باسطا له كنفك، مقبلا عليه بوجهك؛ مع ظهور سرورك بما سألك، وفسحة رأي وبسطة ذرع، وطيب نفس. وإن كرهت قضاء حاجته، وأحببت رده عن طلبته؛ وثقل عليك إجابته إليها وإسعافه بها، أمرت كاتبك فصفحه

85

عنها، ومنعه من مواجهتك بها؛ فخفت عليك في ذلك المئونة، وحسن لك الذكر، ولم ينشر عنك تجهم الرد، وينلك سوء القالة في المنع، وحمل على كاتبك في ذلك لائمة أنت منها بريء الساحة.

وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود وأتاك من الرسل، فلا يصلن إليك أحد منهم إلا بعد وصول علمه إليك، وعلم ما قدم له عليك، وجهة ما هو مكلمك به، وقدر ما هو سائلك إياه إذا هو وصل إليك، فأصدرت رأيك في حوائجه، وأجلت فكرك في أمره، واخترت معتزما على إرادتك في جوابه، وأنفذت مصدور رويتك في مرجوع مسألته قبل دخوله عليك، وعلمه بوصول حاله إليك؛ فرفعت عنك مئونة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق الروية، وأقدمت على رد جوابه بعد النظر وإجالة الفكر فيه. فإن دخل إليك أحد منهم فكلمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا وديعا؛ ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له والغلظة عليه، ومنعه من الوصول إليك؛ فإن ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب، صارفا عنك مئونتها، ومسهلا عليك مستصعبها.

احذر تضييع رأيك وإهمالك أدبك في مسالك الرضا والغضب واعتوارهما إياك، فلا يزدهيك إفراط عجب تستخفك روائعه، ويستهويك منظره، ولا يبدرن منك ذلك خطأ ونزق خفة لمكروه إن حل بك، أو حادث إن طرأ عليك. وليكن من نفسك ظهري ملجأ تتحرز به من آفات الردى، وتستعضده في مهم

عصر المأمون · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢١٣