تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

75

وتعهدك أمورك فحده أوقاتا، وقدره ساعات لا تستفرغ قوتك، ولا تستدعي سآمتك؛ وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي، ولجاجة الإقدام؛ وفرحاتك فاشكمها عن البطر، وقيدها عن الزهو؛ وروعاتك فحطها من دهش الرأي واستسلام الخضوع؛ وحذراتك فامنعها من الجبن، واعمد بها الحزم؛ ورجاءك فقيده بخوف الفائت، وامنعه من أمن الطلب.

هذه جوامع حلال، دخال النقص منها واصل إلى العقل بلطائف أبنه، وتصاريف حويله،

76

فأحكمها عارفا بها، وتقدم في الحفظ لها، معتزما على الأخذ بمراشدها والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه إن شاء الله.

ثم لتكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك ودخلاؤل في سرك، أهل الفقه والورع من خاصة أهل بيتك، وعامة قوادك ممن قد حنكته السن بتصاريف الأمور، وخبطته فصالها بين فراسن

77

البزل منها، وقلبته الأمور في فنونها، وركب أطوارها، عارفا بمحاسن الأمور ومواضع الرأي وعين المشورة؛ مأمون النصيحة، منطوي الضمير على الطاعة. ثم أحضرهم من نفسك وقارا يستدعي لك منهم الهيبة، واستئناسا يعطف إليك منهم المودة، وإنصاتا يفل إفاضتهم له عندك بما تكره أن ينشر عنك من سخافة الرأي وضياع الحزم. ولا يغلبن عليك هواك فيصرفك عن الرأي ويقتطعك دون الفكر. وتعلم أنك وإن خلوت بسر فألقيت دونه ستورك، وأغلقت عليه أبوابك، فذلك لا محالة مكشوف للعامة، ظاهر عنك وإن استترت بربما ولعل وما أرى إذاعة ذلك وأعلم، بما يرون من حالات من ينقطع به في تلك المواطن. فتقدم في إحكام ذلك من نفسك ، واسدد خلله عنك: فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ولغط العامة بخير أو شر ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين الله والأمل المرجو المنتظر فيك. وإياك أن يغمز فيك أحد من حامتك وبطانة خدمتك بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من لائمته، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا أو علن باديا، ولن يجترئوا على تلك عندك إلا أن يروا منك إصغاء إليها وقبولا لها وترخيصا لهم في الإفاضة بها. ثم إياك وأن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يتسخف بها أهل البطالة، ويتسرع نحوها ذوو الجهالة؛ ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه، وطعنا في حق يجحدونه؛ مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل الغفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم ككمون النار في الحجر الصلد، فإذا قدح لاح شرره، وتلهب وميضه، ووقد تضرمه. وليست في أحد أقوى سطوة، وأظهر توقدا، وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب وتطرق الشين منها لمن كان في مثل سنك: من أغفال

78

الرجال وذوي العنفوان في الحداثة الذين لم يقع عليهم سمات الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا فيهم وسمها، ولم تمحضهم شهامتها، مظهرة للعامة فضلهم، مذيعة حسن الذكر عنهم؛ ولم يبلغ بهم الصيت في الحنكة مستمعا يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغي، ومواد أبصار أهل الحسد.

ثم تعهد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة: من إبطار

79

الذرع ونخوة الشرف والتيه وعيب الصلف؛ فإنها تسرع بهم إلى فساد وتهجين عقولهم في مواطن جمة، وأنحاء مصطرفة، منها قلة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامة: فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن يمينه وشماله، تزدهيه الخفة، ويبطره إجلاب الرجال حوله؛ ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمفاكهة له والتضاحك إليه، والإيجاف في السير مرحا، وتحريك الجوارح متسرعا يخال أن ذلك أسرع له وأحث لمطيته. فلتحسن في ذلك هيئتك، ولتجمل فيه دعتك؛ وليقل على مسايرك إقبالك إلا وأنت مطرق النظر، غير ملتفت إلى محدث، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته، ولا موجف في السير مقلقل لجوارحك بالتحريك والاستنهاض؛ فإن حسن مسايرة الوالي واتداعه في تلك الحالة دليل على كثير من غيوب أمره ومستتر أحواله.

عصر المأمون · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢١٢