تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

70

وأحرزت منفس ذخائرها، فاقتعد ما أحرزت، ونافس فيما أصبت.

واعلم أن احتواءك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك مؤثرا لها، وإضمار طاعته منطويا عليها، وإعظام ما أنعم الله به عليك شاكرا له، مرتبطا فيه للمزيد بحسن الحياطة له والذب عنه من أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة ضياع، أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة، فإن ذلك أحق ما بدئ به ونظر فيه، معتمدا عليه بالقوة والآلة والعدة والانفراد به من الأصحاب والحامة. فتمسك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجئ إلى كنفه متحيزا إليه: فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا، وأعوده نفعا، وأعمه صلاحا؛ أرشدك الله لحظك، وفهمك سداده، وأخذ بقلبك إلى محموده. ثم اجعل لله في كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك السلامة في إشراقه، من نفسك نصيبا تجعله له شكرا على إبلاغه إياك يومك ذلك بصحة جوارح وعافية بدن، وسبوغ نعم، وظهور كرامة، وأن تقرأ فيه من كتاب الله - تبارك وتعالى - جزءا تردد رأيك في آية، وترتل

71

لفظك بقراءته، وتحضره عقلك ناظرا في محكمه، وتتفهمه مفكرا في متشابهه: فإن في القرآن شفاء الصدور من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان وصعاصعه،

72

وضياء معالم النور، تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ثم تعهد نفسك بمجاهدة هواك، فإنه مغلاق الحسنات، ومفتاح السيئات، وخصم العقل.

واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خدع إبليس، وخواتل مكره، ومصايد مكيدته؛ فاحذرها مجانبا لها، وتوقها محترسا منها؛ واستعذ بالله عز وجل من شرها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ونية

73

فيه، وحزم نافذ لا مثنوية

74

لرأيك بعد إصداره، وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه؛ ومضاءة صارمة لا أناة معها، ونية صحيحة لا خلجة شك فيها: فإن ذلك ظهري صدق لك على ردعها عنك، وقمعها دون ما تتطلع إليه منك؛ فهي واقية لك سخطة ربك، داعية إليك رضا العامة عنك، ساترة عليك عيب من دونك؛ فازدن بها متحليا، وأصب بأخلاقك مواضعها الحميدة منها، وتوق عليها الآفة التي تقتطعك عن بلوغها، وتقصر بك دون شأوها: فإن المئونة إنما اشتدت مستصعبة، وفدحت باهظة أهل الطلب لأخلاق أهل الكرم المنتحلين سمو القدر، بجهالة مواضع ذميم الأخلاق ومحمودها، حتى فرط أهل التقصير في بعض أمورهم، فدخلت عليهم الآفات من جهات أمنوها، فنسبوا إلى التفريط، ورضوا بذل المنزل، فأقاموا به جاهلين بموضع الفضل، عمهين عن درج الشرف، ساقطين دون منزلة أهل الحجا. فحاول بلوغ غاياتها محرزا لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصنا أعمالك من العجب: فإنه رأس الهوى، وأول الغواية، ومقاد الهلكة؛ حارسا أخلاقك من الآفات المتصلة بمساوي الألقاب وذميم تنابزها، من حيث أتت الغفلة، وانتشر الضياع، ودخل الوهن. فتوق غلوب الآفاق على عقلك، فإن شواهد الحق ستظهر بأماراتها تصديق آرائك عند ذوي الحجا حال الرأي وفحص النظر.

فاجتلب لنفسك محمود الذكر وباقي لسان الصدق بالحذر لما تقدم إليك فيه أمير المؤمنين، متحرزا من دخول الآفات عليك من حيث أمنك وقلة ثقتك بمحكمها: من ذلك أن تملك أمورك بالقصد، وتداري جندك بالإحسان، وتصون سرك بالكتمان، وتداوي حقدك بالأنصاف، وتذلل نفسك بالعدل، وتحصن عيوبك بتقويم أودك، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردي. وأناتك فوقها الملال وفوت العمل ، ومضاءتك فدرعها روية النظر واكنفها بأناة الحلم. وخلوتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عي اللفظ، وخف سوء القالة؛ واستماعك فأرعه حسن التفهم، وقوه بإشهاد الفكر؛ وعطاءك فامهد له بيوتات الشرف وذوي الحسب، وتحرز فيه من السرف واستطالة البذخ وامتنان الصنيعة؛ وحياءك فامنعه من الخجل وبلادة الحصر؛ وحلمك فزعه عن التهاون وأحضره قوة الشكيمة؛ وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط، وتعمد بها أهل الاستحقاق؛ وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق، وخذ به واجب المفترض، وأقم به أود الدين؛ واستئناسك فامنع منه البداء وسوء المناقثة.

عصر المأمون · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢١١