66
البعير.
ثم قال: فكأني أراك على عصاك هذه قد انكفأ عليك العسكران يقولون هذه عكرشة بنت الأطرش، فإن كدت لتفلين أهل الشأم لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، يقول الله جل ذكره:
يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم
الآية، وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته؛ قال: صدقت، فاذكري حاجتك؛ قالت: كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا، وقد فقدنا ذلك، فما يجبر لنا كسير، ولا ينعش لنا فقير؛ فإن كان عن رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من استعان بالخونة، ولا استعمل الظلمة؛ قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيتنا ثغور تتفتق، وبحور تتدفق؛ قالت: سبحان الله! والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا لغيرنا وهو علام الغيوب؛ قال معاوية: هيهات يا أهل العراق، نبهكم علي فلن تطاقوا. ثم أمر برد صدقاتهم فيهم وإنصافهم. (6) رسالة لعبد الحميد الكاتب
67
كتب عبد الحميد
68
بن يحيى الكاتب عن مروان بن محمد لبعض من ولاه:
69
أما بعد، فإن أمير المؤمنين - عندما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدو الله الجلف الجافي الأعرابي، المتسكع في حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوي الهلكة، ورعاعة الذين عاثوا في أرض الله فسادا، وانتهكوا حرمة الإسلام استخفافا، وبدلوا نعمة الله كفرا، واستحلوا دماء أهل سلمه جهلا - أحب أن يعهد إليك في لطائف أمورك، وعوام شئونك، ودخائل أحوالك، ومصطرف تنفلك عهدا يحملك فيه أدبه، ويشرع لك به عظته، وإن كنت بحمد الله من دين الله وخلافته بحيث اصطعنك الله لولاية العهد مختصا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك. ولولا ما أمر الله تعالى به دالا عليه، وتقدمت فيه الحكماء آمرين به: من تقديم العظة، والتذكير لأهل المعرفة، وإن كانوا أولى سابقة في الفضل وخصيصاء في العلم، لاعتمد أمير المؤمنين على اصطناع الله إياك وتفضيله لك بما رآك أهله في محلك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه، واستيلائك على مشابه تدبيره. ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، أو لقنوه إلهاما من تلقائهم ولم نصبهم تعلموا شيئا من غيرهم، لنحلناهم علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة قصر بها عنهم خالقهم المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيته في فردانيته وسابق لاهوتيته، احتجابا منهم لتعقب في حكمه، وتثبت في سلطانه وتنفيذ إرادته، على سابق مشيئته. ولكن العالم الموفق للخير، المخصوص بالفضل، المحبو بمزية العلم وصفوته، أدركه معانا عليه بلطف بحثه، وإذلال كنفه، وصحة فهمه، وهجر سآمته.
وقد تقدم أمير المؤمنين إليك، آخذا بالحجة عليك، مؤديا حق الله الواجب عليه في إرشادك وقضاء حقك، وما ينظر به الوالد المعنى الشفيق لولده. وأمير المؤمنين يرجو أن ينزهك الله عن كل قبيح يهش له طمع، وأن يعصمك من كل مكروه حاق بأحد، وأن يحصنك من كل آفة استولت على امرئ في دين أو خلق، وأن يبلغه فيك أحسن ما لم يزل يعوده ويريه من آثار نعمة الله عليك، سامية بك إلى ذروة الشرف، متبحبحة بك بسطة الكرم، لائحة بك في أزهر معالي الأدب، مورثة لك أنفس ذخائر العز؛ والله يستخلف عليك أمير المؤمنين ويسأل حياطتك، وأن يعصمك من زيغ الهوى، ويحضرك داعي التوفيق، معانا على الإرشادا فيه، فإنه لا يعين على الخير ولا يوفق له إلا هو.
اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكا، وركب أخطارها قاصدا، إلى سعة عاقبتها، وأمن سرحها، وشرف عزها. وأنها لا تعار بسخف الخفة، ولا تنشأ بتفريط الغفلة، ولا يتعدى فيها بامرئ حده. وربما أظهرت بسطة الغي مستور العيب. وقد تلقتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها، من غير تعب البحث في طلبها، ولا متطاول لمناولة ذروتها؛ بل تأثلت منها أكرم نبعاتها، واستخلصت منها أعتق جواهرها؛ ثم سموت إلى لباب مصاصها،