تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وحواريه، وقد شهد له رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بالجنة، ولقد كان سباقا إلى كل مكرمة في الإسلام. وإني أسألك بحق الله يا معاوية، فإن قريشا تحدث أنك من أحلمها، أن تسعني بفضل حلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وامض لما شئت من غيرها؛ قال: نعم وكرامة، قد أعفيتك؛ وردها مكرمة إلى بلدها. (4) كلمة الزرقاء

64

بنت عدي

ومن كلام الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية ما قالته يوم صفين أيضا: يروى أنها ذكرت عند معاوية يوما، فقال لجلسائه: أيكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين؛ قال: فأشيروا علي في أمرها؛ فأشار بعضهم بقتلها، فقال: بئس الرأي! أيحسن بمثلي أن يقتل امرأة! ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي محرمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء لينا، ويسترها بستر خصيف،

65

ويوسع لها في النفقة. فلما دخلت على معاوية، قال: مرحبا بك وأهلا! قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك النعمة! قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا؛ قال: بذلك أمرناهم. أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ وما يعلم الغيب إلا الله عز وجل؛ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفين بصفين تحضين الناس على القتال، وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب؛ والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر؛ قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله، ولقد أنسيته؛ قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين:

أيها الناس، ارعووا وارجعوا! إنكم أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة. فيا لها فتنة عمياء، صماء بكماء، لا تسمع لناعقها، ولا تسلس لقائدها. إن المصباح لا يضيء في الشمس، والكواكب لا تنير مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشد أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه.

أيها الناس، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها! فصبرا يا معاشر المهاجرين والأنصار على الغصص؛ فكان قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة التقوى، ودمغ الحق باطله! فلا يجهلن أحد فيقول: كيف العدل وأنى! ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء! ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في عواقب الأمور. إيها إلى الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين.

ثم قال لها: يا زرقاء، لقد شركت عليا في كل دم سفكه؛ قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك؛ فمثلك من بشر بخير وسر جليسه؛ قال: ويسرك ذلك؟ قالت: نعم سررت بالخبر فأنى لي بتصديق الفعل! فضحك معاوية وقال: لوفاؤكم له بعد موته أعجب عندي من حبكم له في حياته! اذكري حاجتك؛ قالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك من أعطى من غير مسألة، وجاد من غير طلبة؛ قال: صدقت، وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا. (5) عكرشة بنت الأطرش

ومن كلام عكرشة بنت الأطرش ما قالته يوم صفين أيضا: يروى أنها دخلت على معاوية متوكئة على عكاز لها، فسلمت عليه بالخلافة ثم جلست؛ فقال لها معاوية: الآن صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم إذ لا علي حي! قال: ألست المتقلدة حمائل السيف بصفين وأنت واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. إن الجنة لا يحزن من قطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها؛ فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها. وكونوا قوما مستبصرين في دينهم، مستظهرين على حقهم؛ إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة. دعاهم إلى الباطل فأجابوه، واستدعاهم إلى الدنيا فلبوه. فالله الله عباد الله في دين الله! وإياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفئ نور الحق. هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى. يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشأم كالحمر الناهقة تقصع قصع

عصر المأمون · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٠٩