61
قبل ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت؛ قال: لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم يحفظ كلام أم الخير؟ فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد؛ قال: هاته؛ قال: نعم كأني بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم عليها برد زبيدي كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك
62
وقد أحيط حولها، وبيدها سوط منتشر الضفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:
يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم
إن الله قد أوضح الحق، وأبان الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة! ولا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله! أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق! أما سمعتم الله عز وجل يقول:
ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم .
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشر الرعب، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى. هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأكبر! إنها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية؛ وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس.
ثم قالت:
فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون . صبرا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، وكأني بكم غدا قد لقيتم أهل الشأم كحمر مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، وعما قليل ليصبحن نادمين، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة! إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل في النار. أيها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها واستبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون - رحمكم الله - عن ابن عم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وزوج ابنته وأبي ابنيه؟ خلق من طينته، وتفرع عن نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك يؤيده الله بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة اللذات. وهو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون. فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن؛ فيا لها وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا، وردة وشقاقا، وقد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلى! والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك.
قالت : والله ما يسوءني يابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه؛ قال: هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول فيه، استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون؛ فقال: إيها يا أم الخير، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه؛ قالت: لكن الله يشهد وكفى بالله شهيدا، ما أردت بعثمان نقصا، ولقد كان سباقا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة. قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة، اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله
صلى الله عليه وسلم
الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: يا هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يعرك في المركن؛
63
قال: حقا لتقولن ذلك وقد عزمت عليك؛ قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله