تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال علي رضي الله عنه: مهلا يا أبا حفص، والله ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغي حولا عنه، وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق، واحتضن الشقاق، وفي الله سلوة عن كل حادث، وعليه التوكل في جميع الحوادث. ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللبان،

53

فصيح اللسان، فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشد الأزر، ويحط الوزر، ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وحسن توفيقه.

قال أبو عبيدة رضي الله عنه: فانصرف علي وعمر رضي الله عنهما. وهذا أصعب ما مر علي بعد رسول الله

صلى الله عليه وسلم . (2) ومن كلام عائشة

54

رضي الله عنها في الانتصار لأبيها

يروى أنه بلغ عائشة رضي الله عنها أن أقواما يتناولون أبا بكر رضي الله عنه، فأرسلت إلى أزفلة

55

من الناس، فلما حضروا، أسدلت أسنارها، وعلت وسادها، ثم قالت: أبي، وما أبيه! أبي والله لا تعطوه

56

الأيدي، ذاك طود منيف؛ وفرع مديد، هيهات، كذبت الظنون! أنجح إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم؛ سبق الجواد إذا استولى على الأمد. فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى حليته قلوبها، ثم استشرى في دين الله فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون. وكان رحمه الله غزير الدمعة، وقيذ الجوانح، شجي النشيج، فانقضت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به

الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون

فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت قسيها، وفوقت سهامها، وامتثلوه غرضا، فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة، ومر على سيسائه،

57

حتى إذا ضرب الدين بجرانه، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا، اختار الله لنبيه ما عنده؛ فلما قبض الله نبيه

صلى الله عليه وسلم

ضرب الشيطان رواقه، ومد طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده وماج أهله، وبغي الغوائل، وظنت رجال أن قد أكثبت أطماعهم نهزها، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم! فقام حاسرا مشمرا، فجمع حاشيتيه ورفع قطريه، فرد رسن الإسلام على غربه، ولم شعثه بطبه، وانتاش الدين فنعشه، فلما أراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، آلته منيته، فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب، لله در أم حملت به ودرت عليه! لقد أوحدت به، ففنخ

58

الكفرة وديخها، وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها، ولفظت خبأها،

59

ترأمه ويصدف عنها، وتصدى له ويأباها. ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها. فأروني ماذا ترتئون، وأي يومي أبي تنقمون: أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت: أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئا؟ قالوا: اللهم لا. (3) كلمة أم الخير بنت الحريش

60

ومن كلام أم الخير بنت الحريش البارقية يوم صفين في الانتصار لعلي رضي الله عنه: يروى أن معاوية كتب إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش البارقية برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بقولها فيه بالخير خيرا وبالشر شرا. فلما ورد عليه كتابه، ركب إليها فأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب! ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري. فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أم الخير، إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه يجازيني بقولك في بالخير خيرا وبالشر شرا؛ فما عندك؟ قالت: يا هذا لا يطمعنك برك بي أن أسرك بباطل، ولا تؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق. فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية، فأنزلها مع حريمه ثلاثا، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع، وعنده جلساؤه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ قال لها: وعليك السلام يا أم الخير، وبالرغم منك دعوتني بهذا الاسم؛ قالت: مه يا أمير المؤمنين! فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه ولكل أجل كتاب؛ قال: صدقت، فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل في عافية وسلامة حتى صرت إليك فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق؛ قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم؛ قالت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله من دحض المقال وما تردي عاقبته، قال: ليس هذا أردنا، أخبريني كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله زورته

عصر المأمون · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٠٧