تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

قلبي، وقرارة نفسي.

فقال علي رضي الله عنه: والله ما كان قعودي في كن هذا البيت قصدا للخلاف، ولا إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم، بل لما قد وقذني به رسول الله

صلى الله عليه وسلم

من فراقه، وأودعني من الحزن لفقده. وذلك أنني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد علي حزنا، وذكرني شجنا. وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره. وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرق، رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله، وأسلم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه. على أني ما علمت أن التظاهر علي واقع، ولا عن الحق الذي سيق إلي دافع. وإذ قد أفعم الوادي بي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين وسرني، وفي النفس كلام لولا سابق عقد وسالف عهد، لشفيت غيظي بخنصري وبنصري، وخضت لجته بأخمصي ومفرقي، ولكنني ملجم إلى أن ألقى الله ربي، وعنده أحتسب ما نزل بي. وإني غاد إلى جماعتكم، فمبايع صاحبكم، صابر على ما ساءني وسركم، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.

قال أبو عبيدة: فعدت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقصصت عليه القول على غرة،

46

ولم أختزل شيئا من حلوه ومره، وبكرت غدوة إلى المسجد، فلما كان صباح يومئذ وإذا علي مخترق الجماعة إلى أبي بكر رضي الله عنهما فبايعه، وقال خيرا، ووصف جميلا، وجلس زميتا،

47

واستأذن للقيام فمضى وتبعه عمر مكرما له، مستأثرا لما عنده.

فقال علي رضي الله عنه: ما قعدت عن صاحبكم كارها، ولا أتيته فرقا، ولا أقول ما أقول تعلة. وإني لأعرف منتهى طرفي، ومحط قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي؛ ولكن قد أزمت على فأسي

48

ثقة بربي في الدنيا والآخرة.

فقال له عمر رضي الله عنه: كفكف غربك، واستوقف سربك، ودع العصي بلحائها، والدلاء على رشائها. فإنا من خلفها وورائها، إن قدحنا أورينا، وإن متحنا أروينا، وإن قرحنا أدمينا. ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت بها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت. وزعمت أنك قعدت في كن بيتك لما وقذك به رسول الله

صلى الله عليه وسلم

من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك! بل مصابه أعظم وأعم من ذلك، وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها. هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه. وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره! فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه، ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم. وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه؛ فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون عليه. وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر واقع عليك، وأي حق لط

49

دونك! قد سمعت وعلمت ما قال الأنصار بالأمس سرا وجهرا، وتقلبت عليه بطنا وظهرا، فهل ذكرت أو أشارت بك، أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه إنك تصلح لهذا الأمر؟ أو أومأ بعينه أو هم في نفسه؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك، وعادوا كفارا زهدا فيك، وباعوا الله تحاملا عليك؟ لا والله! لقد جاءني عقيل ابن زياد الخزرجي في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي وقالو: إن عليا ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة؛ فأنكرت عليهم، ورددت القول في نحرهم حيث قالوا: إنه ينتظر الوحي ويتوكف

50

مناجاة الملك؛ فقلت: ذاك أمر طواه الله بعد نبيه محمد

صلى الله عليه وسلم

أكان الأمر معقودا بأنشوطة،

51

أو مشدودا بأطراف ليطة؟

52

كلا! والله لا عجماء بحمد الله إلا أفصحت، ولا شوكاء إلا وقد تفتحت. ومن أعجب شأنك قولك: «ولولا سالف عهد وسابق عقد، لشفيت غيظي» وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان؟ تلك جاهلية وقد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها، وهور ليلها، وغور سيلها، وأبدل منها الروح والريحان، والهدى والبرهان. وزعمت أنك ملجم؛ ولعمري إن من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراه.

عصر المأمون · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٠٦