تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

البعير بين العجان والذنب. وكل صال فبناره، وكل سيل فإلى قرار. وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي وشي،

34

ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق. وقد جدع الله بمحمد

صلى الله عليه وسلم

أنف كل ذي كبر، وقصم ظهر كل جبار، وقطع لسان كل كذوب، فماذا بعد الحق إلا الضلال. ما هذه الخنزوانة

35

التي في فراش رأسك! ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك! ما هذه القذاة التي تغشت ناظرك! وما هذه الوحرة

36

التي أكلت شراسيفك! وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر، واشتملت عليه بالشحناء والنكر! ولسنا في كسروية كسرى، ولا في قيصرية قيصر! تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر! قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرمى لطعاننا، وتبعا لسلطاننا؛ بل نحن في نور نبوة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمة، وعنوان نعمة، وظل عصمة، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الرتق والفتق، لها من الله قلب أبي، وساعد قوي، ويد ناصرة، وعين باصرة. أتظن ظنا يا علي أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة خادعا لها أو متسلطا عليها! أتراه حل عقودها وأحال عقولها! أتراه جعل نهارها ليلا، ووزنها كيلا، ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا! لا والله! سلا عنها فولهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمأز دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعاقبة بلغه الله إليها، ونعمة سربله جمالها، ويد أوجب الله عليه شكرها، وأمة نظر الله به إليها. والله أعلم بخلقه، وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة. وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ولا يجحد حقك فيما آتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك، وقرب أمس من قرابتك، وسن أعلى من سنك، وشيبة أروع من شبيبتك، وسيادة لها أصل في الجاهلية وفرع في الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة، ولا تذكر منها في مقدمة ولا ساقة، ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازن ولا هبع.

37

ولم يزل أبو بكر حبة قلب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وعلاقة نفسه، وعيبة سره، ومفزع رأيه ومشورته، وراحة كفه، ومرمق طرفه. وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار، شهرته مغنية عن الدليل عليه. ولعمري إنك أقرب إلى رسول الله قرابة، ولكنه أقرب منك قربة، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح. وهذا فرق عرفه المؤمنون، ولذلك صاروا إليه أجمعون. ومهما شككت في ذلك، فلا تشك أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعة. فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع لك غدا، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك في الأمد طول، وفي الأجل فسحة، فستأكله مريئا أو غير مريء، وستشربه هنيئا أو غير هنيء، حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك، يمض

38

إهابك، ويعرك

39

أديمك، ويزري على هديك. هنالك تقرع السن من ندم، وتجرع الماء ممزوجا بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك ودارج قوتك، فتود أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها، ورددت إلى حالتك التي استغويتها. ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجو لسرائها وضرائها، وهو الولي الحميد، الغفور الودود.

قال أبو عبيدة: فتمشيت متزملا أنوء كأنما أخطو على رأسي، فرقا من الفرقة، وشفقا على الأمة، حتى وصلت إلى علي

40

رضي الله عنه في خلاء، فابتثثته بثي كله، وبرئت إليه منه، ورفقت به. فلما سمعها ووعاها، وسرت في مفاصله حمياها، قال: «حلت معلوطة،

41

وولت مخروطة»،

42

وأنشأ يقول:

إحدى لياليك فهيسى

43

هيسى

لا تنعمي الليلة بالتعريس

نعم يا أبا عبيدة، أكل هذا في أنفس القوم، ويحسون به، ويضطغنون

44

علي! قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندي، إنما أنا قاض حق الدين، وراتق فتق المسلمين، وساد ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان

عصر المأمون · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٠٥