صلى الله عليه وسلم
بالأب والأم، والخال والعم، والمال والنشب، والسبد
19
واللبد، والهلة
20
والبلة، بطيب أنفس، وقرة أعين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحة عقول، وطلاقة أوجه، وذلاقة ألسن؛ هذا مع خفيات أسرار، ومكنونات أخبار، كنت عنها غافلا، ولولا سنك لم تكن عن شيء منها ناكلا، كيف وفؤادك مشهوم،
21
وعودك معجوم! والآن قد بلغ الله بك وأنهض الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع؛ فارتقب زمانك، وقلص أردانك، ودع التقعس والتجسس لم لا يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا؛
22
فالأمر غض، والنفوس فيها مض، وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم
23
لجاجا، وسيفها العضب، فلا تنب اعوجاجا، وماءها العذب فلا تحل أجاجا. والله لقد سألت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عن هذا الأمر، فقال لي: «يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش
24
عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن يتنفج إليه،
25
هو لمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي.»
ولقد شاورني رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في الصهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت: أين أنت من علي! فقال
صلى الله عليه وسلم : إني أكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنه. فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة؛ مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك لا حوجاء
26
ولا لوجاء، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك؛ وكنت إذ ذاك خيرا لك منك الآن لي. ولئن كان عرض بك رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في هذا الأمر، فلم يكن معرضا عن غيرك: وإن كان قال فيك فما سكن عن سواك؛ وإن تلجلج في نفسك شيء فهلم، فالحكم مرضي، والصواب مسموع، والحق مطاع. ولقد نقل رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلى الله عز وجل، وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حذر، يسره ما سرها ويسوءه ما ساءها، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها. أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وأقاربه وسجرائه،
27
إلا أبانه بفضيلة، وخصه بمزية، وأفرده بحالة! أتظن أنه
صلى الله عليه وسلم
ترك الأمة سدى بددا، عباهل
28
مباهل، طلاحى مفتونة بالباطل، مغبونة عن الحق، لا رائد ولا ذائد، ولا ضابط ولا حائط، ولا ساقي ولا واقي، ولا هادي ولا حادي! كلا! والله ما اشتاق إلى ربه تعالى ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه، إلا بعد أن ضرب المدى، وأوضح الهدى، وأبان الصوى
29
وأمن المسالك والمطارح، وسهل المبارك والمهايع،
30
وإلا بعد أن شدخ يافوخ
31
الشرك بإذن الله، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه، وجدع أنف الفتنة في ذات الله، وتفل في عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله عز وجل.
وبعد، فهؤلاء
32
المهاجرون والأنصار عندك ومعك في بقعة واحدة ودار جامعة، إن استقالوني لك وأشاروا عندي بك، فأنا واضع يدي في يدك، وصائر إلى رأيهم فيك. وإن تكن الأخرى فادخل فيما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد لضالتهم، والرادع لغوايتهم. فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، والتناصر على الحق. ودعنا نقضي هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغل، ونلقى الله تعالى بقلوب سليمة من الضغن.
وبعد، فالناس ثمامة فارفق بهم واحن عليهم ولن لهم، ولا تشق نفسك بنا خاصة فيهم، واترك ناجم الحقد حصيدا، وطائر الشر واقعا، وباب الفتنة مغلقا، فلا قال ولا قيل ولا لوم ولا تبيع، والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير .
قال أبو عبيدة: فلما تأهبت للنهوض، قال عمر رضي الله عنه: كن لدى الباب هنيهة فلي معك دور من القول؛ فوقفت وما أدري ما كان بعدي، إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا، وقال لي: قل لعلي: الرقاد محلمة، والهوى مقحمة، وما منا إلا له مقام معلوم، وحق مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم؛ وإن أكيس الكيس من منح الشارد تألفا، وقارب البعيد تلطفا، ووزن كل شيء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان شبره، دينا كان أو دنيا، ضلالا كان أو هدى. ولا خير في علم مستعمل في جهل، ولا خير في معرفة مشوبة بنكر. ولسنا كجلدة رفغ