تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وتهمم

4

ونفاس،

5

فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة، وتشتعل الجمرة، وتتفرق ذات البين؛ فدعاني بحضرته في خلوة، وكان عنده عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وحده، فقال: يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك، وطالما أعز الله بك الإسلام وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بالمكان المحوط، والمحل المغبوط؛ ولقد قال فيك في يوم مشهود: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة»، ولم تزل للدين ملتجا، وللمؤمنين مرتجى؛ ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءا. قد أردتك لأمر خطره مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف، ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك، ولم تجب

6

حيته برقيتك، وقع اليأس، وأعضل البأس؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمر منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك. فتأت

7

له أبا عبيدة وتلطف فيه، وانصح لله عز وجل ولرسوله

صلى الله عليه وسلم ، ولهذه العصابة غير آل جهدا، ولا قال حمدا، والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك، إن شاء الله.

امض إلى علي واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن فقدناه بالأمس

صلى الله عليه وسلم

مكانه، وقل له: البحر مغرقة، والبر مفرقة، والجو أكلف،

8

والليل أغدف،

9

والسماء جلواء،

10

والأرض صلعاء،

11

والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق عطوف رءوف، والباطل عنوف عسوف، والعجب قداحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ثقوب العدواة، وهذا الشيطان متكئ على شماله، متحيل بيمينه، نافخ حضنيه

12

لأهله، ينتظر الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء والعداوة، عنادا لله عز وجل أولا، ولآدم ثانيا، ولنبيه

صلى الله عليه وسلم

ودينه ثالثا، يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمني أهل الشرور. يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم

صلى الله عليه وسلم ، وعادة له منذ أهانه الله تعالى في سالف الدهر، لا منجى منه إلا بعض الناجذ على الحق، وغض الطرف عن الباطل، ووطء هامة عدو الله بالأشد فالأشد، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله عز وجل في ابتغاء رضاه. ولا بد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت وخيف غبه؛ ولقد أرشدك من أفاء

13

ضالتك، وصافاك من أحيا مودته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك؛ ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوى به قلبك، ويلتوي عليك رأيك، ويتخاوص

14

دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به لسانك، أعجمة بعد إفصاح! أتلبيس بعد إيضاح! أدين غير دين الله! أخلق غير خلق القرآن! أهدي غير هدي النبي

صلى الله عليه وسلم ! أمثلي «تمشي

15

له الضراء وتدب له الخمر!» أم مثلك ينقبض عليه الفضاء، ويكسف في عينه القمر! ما هذه القعقعة بالشنان!

16

وما هذه الوعوعة باللسان! إنك والله جد عارف باستجابتنا لله عز وجل ولرسوله

صلى الله عليه وسلم ، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا، هجرة إلى الله عز وجل، ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كن الصبا، وخدر الغرارة، وعنفوان الشبيبة، غافل عما يشيب ويريب، لا تعي ما يراد ويشاد، ولا تحصل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك، وعندها حط رحلك، غير مجهول القدر ولا مجحود الفضل؛ ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي؛ ونقاسي أهوالا تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيارها، نتجرع صابها، ونشرج

17

عيابها، ونحكم آساسها، ونبرم أمراسها،

18

والعيون تحدج بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار تشخذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف؛ لا ننتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مرادا إلا بعد الإياس من الحياة عنده؛ فادين في جميع ذلك رسول الله

عصر المأمون · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٠٣