وكان إسحاق قليل الهجو، فإذا هجا رأيت في هجوه عفة اللسان، وجمال التعريض، ونريد أن نذكر لك من هذا الباب قوله في أحمد بن هشام، وكان إسحاق يألف أحمد هذا وأخاه عليا وسائر أهله إلفا شديدا، فوقعت بينهم نبوة ووحشة فهجاهم، وهذا مما قاله في أحمد:
وصافية تعشي العيون رقيقة
رهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهنا
من الليل حتى انجاب كل ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا
من العي نحكي أحمد بن هشام
ويقال إن أحمد سأله: ما ذنبي؟ فقال: لأنك قعدت على طريق القافية ...!
وكان إسحاق يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأي من صعوبته على أبيه، فرأى في منامه كأن قائلا يقول: قد أجيبت دعوتك، ولست تموت بالقولنج، ولكنك تموت بضده، ثم أصابه ذرب في شهر رمضان سنة 235ه، فكان يتصدق في كل يوم يمكنه صومه بمائه درهم، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات في الشهر.
ولما نعى إلى المتوكل غمه وحزن عليه وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته!
مؤلفاته
علمت مما أوردناه لك في الكلام على إسحاق أنه كان يحسن كل ما كان عالجه من العلوم إحسانا قل أن يستوي لغيره ، ولكنه قصر تأليفه على ما قصرته عليه وظيفته وعمله، فألف في الأغاني والإيقاع والنغم، وآداب الشراب، والندماء والمنادمات، وأخبار الشعراء، وأهل الفن من المغنين والمغنيات، فمن مؤلفاته: كتاب الأغاني الكبير، وكتاب اللحظ والإشارات، وكتاب الرقص والزفن، وكتاب النغم والإيقاع، وكتاب الندماء والمنادمات، وله مؤلفات عمن سبقه من أهل الفن رجالا ونساء، أمثال: معبد، وابن مسجح، وعزة الميلاء وغيرهم، وله أيضا كتاب الهذليين، وكتاب تفضيل الشعر، وكتاب أخبار ذي الرمة، وكتاب جواهر الكلام، وله كتاب منادمة الإخوان وتسامر الخلان، وكتاب القيان، وغير ذلك مما ينطق بعلو كعبه في شتى الفنون، ويشهد بأنه دائرة معارف عامة.
| هوامش
| المجلد الثاني
| ملحق الكتاب الأول
| باب المنثور
ذكرنا في مقدمة المجلد الأول من «عصر المأمون» أننا قسمنا المجلد الثاني إلى ملحقات للكتب الثلاثة عن العصور الثلاثة، وعنينا عناية خاصة إلى جانب ذلك بذكر جملة صالحة من آثار كاتب خاص وشاعر خاص لتمثيل عصرهما. واتخذنا من عبد الحميد الكاتب وعمر بن أبي ربيعة أنموذجا أمويا، ومن أبي الربيع محمد بن الليث وبشار بن برد مثالا عباسيا، ومن عمرو بن مسعدة وأبي نواس نموذجا لتصوير الحياة الكتابية والشعرية في عصر الأمين والمأمون، إلى غير ذلك من النماذج والآثار مما يستدعيه المقام، وقد أوردناها من غير أن نعرض لها بتحليل أو بيان - اللهم إلا تفسير بعض ألفاظها الغريبة وشرح كلماتها الغامضة - فهي في وضوحها ودلالتها على ما أردنا من إيرادها غير محتاجة إلى شيء. وها نحن أولاء نذكر ما وعدناك به. (1) رسالتا أبي بكر وعلي
قال
1
أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي: سمرنا ليلة عند القاضي أبي حامد أحمد بن بشر المروروذي ببغداد، فتصرف في الحديث كل متصرف؛ وكان غزير الرواية، لطيف الدراية، فجرى حديث السقيفة، فركب كل مركبا، وقال قولا، وعرض بشيء، ونزع إلى فن. فقال: هل فيكم من يحفظ رسالة لأبي بكر
2
الصديق، رضي الله عنه، إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وجواب علي عنها، ومبايعته إياه عقيب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة لا والله؛ فقال: هي والله من بنات الحقائق، ومخبآت الصنادق، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبي محمد المهلبي في وزارته، فكتبها عني بيده. وقال: لا أعرف رسالة أعقل منها ولا أبين؛ وإنها لتدل على علم وحلم، وفصاحة ونباهة، وبعد غور، وشدة غوص. فقال له العباداني: أيها القاضي، فلو أتممت المنة علينا بروايتها! أسمعناها، فنحن أوعى لك من المهلبي، وأوجب ذماما عليك؛ فاندفع وقال: حدثنا الخزاعي بمكة عن أبي ميسرة، قال حدثنا محمد بن أبي فليح عن عيسى بن دوأب بن المتاح، قال سمعت مولاي أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بين المهاجرين والأنصار، بعد فتنة كاد الشيطان بها، فدفع الله شرها ويسر خيرها، بلغ أبا بكر عن علي تلكؤ وشماس،