على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد فلم تكن
جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي
فضحك المتوكل ثم قال: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لما غنيته بالصالحية:
طربت إلى أصيبية صغار
وذكرني الهوى قرب المزار
فكم أعطاك لما أذن لك في الانصراف؟ قال: مائة ألف دينار. فأمر له بمائة ألف دينار وأذن له بالانصراف.
وإنا لو ذهبنا نذكر لك من أخبار إسحاق وما كان له من نوادر في مجالس الخلفاء وغير مجالس الخلفاء من رجالات الدولة لعدونا حد القصد، وإنما نحيل من يريد التزيد من أمر إسحاق على كتاب الأغاني، ونختم هذا الفصل من أخبار إسحاق بما قاله محمد بن عمران الجرجاني، حين ذكر عنده، قال: كان - والله - إسحاق غرة في زمانه، وواحدا في عصره، علما وفهما وأدبا ووقارا، وجودة رأي، وصحة مودة، وكان والله يخرس الناطق إذا نطق، ويحير السامع إذا تحدث، لا يمل جليسه في مجلسه، ولا تمج الآذان حديثه، ولا تنبو النفس عن مطاولته، إن حدثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غناك أطربك، وما كانت خصلة من الأدب ولا جنس من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على مساجلته أو مناوأته فيه.
قال إسحاق بن إبراهيم: رأيت في منامي جريرا جالسا ينشد وأنا أسمع، فلما فرغ أخذ كبة من شعري فألقاها في في فابتلعتها، فأول ذلك بعض من ذكرته له أنه ورثني الشعر، قال زيد بن محمد المهلبي: وكذلك كان، لقد مات إسحاق وهو أشعر أهل زمانه.
وقال أبو الفرج الأصفهاني: وكان إسحاق جيد الشعر ، كان يقول وينسبه للعرب، فمن ذلك قوله:
لفظ الخدور عليك حورا عينا
أنسين ما جمع الكناس قطينا
فإذا بسمن فعن كمثل غمامة
أو أقحوان الرمل بات معينا
وأصح ما رأت العيون محاجرا
ولهن أمرض ما رأيت عيونا
فكأنما تلك الوجوه أهلة
أقمرن بين العشر والعشرينا
وكأنهن إذا نهضن لحاجة
ينهض بالعقدات من يبرينا
وأشعاره في هذا النوع كثيرة، ولعل الذي كان يدفع أولئك الشعراء إلى أن ينسبوا خير ما تجود به قرائحهم إلى العرب الجاهلين أو أعراب الصحراء روح ذلك العصر، وأنها كانت روحا تميل إلى القديم، ولا سيما إذا زين هذا القديم بإطار من خيال الرواة والقصاصين، ويظهر أن ما كانوا يظفرون به رواة للشعر العربي أكثر مما كانوا يظفرون به شعراء مجيدين، وإلا فهل يتصور أن ينسب المرء نتاج قريحته إلى غيره ما لم يكن ثمن ذلك عظيما؟
ومن شعر إسحاق ما اعتذر به إلى الواثق حين عتب عليه في تأخره عنه، وهو قوله:
أشكو إلى الله بعدي عن خليفته
وما أعالج من سقم ومن كبر
لا أستطيع رحيلا إن هممت به
إليه يوما ولا أقوى على السفر
أنوي إليه رحيلا ثم يمنعني
ما أحدث الدهر والأيام في بصري
ومن شعره أيضا عند علو سنه:
سلام على سير القلاص من الركب
ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرئ لم يبق منه بقية
سوى نظر العينين أو شهوة القلب
ومن جيد شعر إسحاق ما كان يستحسنه ابن الأعرابي ويعجب به أيما إعجاب، وهو قوله:
هل إلى أن تنام عيني سبيل
إن عهدي بالنوم عهد طويل
غاب عني من لا أسمي فعيني
كل يوم وجدا عليه تسيل
إن ما قل منك يكثر عندي
وكثير ممن تحب القليل
وكان إسحاق إذا غنى هذه الأبيات تفيض عيناه، ولما سئل عن بكائه أجاب: تعشقت جارية فقلت لها هذه الأبيات، ثم ملكتها، فكنت مشغوفا بها، حتى كبرت واعتلت عيني، فإذا غنيت هذا الشعر ذكرت أيامي المتقدمة، وأنا أبكي على دهري الذي كنت فيه.
وقال إسحاق : أنشدت الأصمعي الأبيات الثلاثة فجعل يعجب بها ويرددها، فقلت له: إنها بنت ليلتها، فقال: لا جرم أن أثر التوليد فيها ظاهر، فقال إسحاق: ولا جرم أن أثر الحسد فيك ظاهر! ولعل هذا هو سبب الجفوة التي كانت بين إسحاق والأصمعي.
فإن ابن منظور يروي لنا في مختصره، أن إسحاق كان يأخذ عن الأصمعي ويذكر عنه الروايات، ثم فسد ما بينهما، فهجاه إسحاق وثلبه، وذكر عند الرشيد أنه قليل الشكر، بخيل، ساقط النفس، لا تزكو الصنيعة عنده، وذكر له أبا عبيدة معمر بن المثنى بالثقة والصدق والسماحة، واشتماله على جميع علوم العرب، وفعل مثل ذلك عند الفضل بن الربيع، ولم يزل بهما حتى وضع منزلة الأصمعي عندهما، ثم أنفذا إلى أبي عبيدة مالا جليلا واستقدماه، فكان إسحاق سبب ذلك.