تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانظر إلى دقة إحساس إسحاق وقوة ذوقه في تبينه الخطأ في وتر واحد بين ثمانين وترا، وكان ذلك في مجلس المأمون؛ قال إسحاق: دعاني المأمون يوما وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن اليمين وعشرا عن يساره، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: أسمعت خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لإبراهيم بن المهدي: هل تسمع خطأ؟ قال: لا، فأعاد علي السؤال، فقلت: بلى يا أمير المؤمنين، فإنه لفي الجانب الأيسر، فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ! فقلت: يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللائي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن، ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمع ثم قال: ما ها هنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ؛ فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا تمار إسحاق بعدها؛ فإن رجلا عرف الخطأ بين ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألا تماريه، قال: صدقت يا أمير المؤمنين - وكان في الأوتار كلها مثنى فاسد التسوية - فطرب المأمون وقال: لله درك يا أبا محمد، فكناني يومئذ.

وخبر آخر يدل على حذق إسحاق بفنه في مجلس آخر للمأمون، قال إسحاق: دخلت على المأمون يوما وعقيد يغنيه مرتجلا وغيره يضرب عليه، فقال: يا إسحاق، كيف تسمع مغنينا هذا؟ فقلت: هل سأل أمير المؤمنين غيري عن هذا؟ فقال: نعم، سألت عمي إبراهيم فقرظه واستحسنه، فقلت: يا أمير المؤمنين - أدام الله سرورك وأطاب عيشك - إن الناس قد أكثروا في أمري حتى نسبتني فرقة إلى التزيد في علمي، قال: فلا يمنعك ذلك من قول الحق إذا لزمك، فقلت لعقيد: اردد الصوت الذي غنيته، فرده وتحفظ فيه وضرب عليه ضاربه، فقلت لإبراهيم بن المهدي: كيف رأيته؟ فقال: ما رأيت شيئا أنكره مما سمعته، فأقبلت على عقيد وقلت له لما استوفاه: في أي طريقة غنيت؟ فقال: في الرمل، فقلت للضارب: في أي طريقة ضربت؟ فقال: في الهزج الثقيل، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عسى أن أقول في صوت يغنيه مغنيه رملا، ويضربه ضاربه هزجا ثقيلا، وليس هو صحيحا في إيقاعه الذي ضرب عليه؟ قال: وتفهمه إبراهيم بن المهدي فقال: صدق يا أمير المؤمنين، والأمر فيه بين! فعجب المأمون من ذلك كيف خفي على كل من حضر.

أما منزلته عند الواثق، فيقول ابن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي، ولا سمعته قط يغني غناء ابن سريج إلا ظننت ابن سريح قد نشر، وإني ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدمه عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمع عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت من ظننت أنه يتقدمه ينقص، وإن إسحاق لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهن له بشطر ملكي.

أما المتوكل الذي توفي إسحاق في أول عصره، فيحدثنا ابن حمدون أنه سأل عن إسحاق، فعرف أنه كف، وأنه بمنزله ببغداد، فكتب في إحضاره، فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدام السرير، وأعطاه مخدة، وقال: بلغني أن المعتصم دفع إليك في أول يوم جلست بين يديه مخدة وقال: إنه لا يستجلب ما عند حر مثل إكرامه، ثم سأله: هل أكل؟ فقال : نعم، فأمر أن يسقى، فلما شرب أقداحا قال: هاتوا لأبي محمد عودا، فجيئ به، فاندفع يغني بشعره:

ما علة الشيخ عيناه بأربعة

تغرورقان بدمع ثم تنسكب

قال ابن حمدون: فما بقي غلام من الغلمان الوقوف إلا وجدته يرقص طربا وهو لا يعلم بما يفعل، فأمر له بمائة ألف درهم، ثم انحدر المتوكل إلى الرقة - وكان يستطيبها لكثرة تغريد الطير فيها - فغناه إسحاق:

أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى

عصر المأمون · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٠٠