ألم تسأل بعارمة الديارا
عن الحي المفارق أين سارا
بلى ساءلتها فأبت جوابا
وكيف تسائل الدمن القفارا
فاستحسنه وطرب عليه وقال: يا إسحاق، لا تطلب بعد البغية ووجود المنية، وما أشرب بقية يومي إلا على هذا الصوت، ووصلني وخلع علي من ثيابه.
ومما حدث بين الأمين وإسحاق أن الأمين اصطبح ذات يوم، وأمر بالتوجيه إلى إسحاق، فوجه إليه عدة رسل كلهم لا يصادفه، حتى جاء أحدهم به، فجاء منتشيا ومحمد مغضب، فقال له: أين كنت؟ ويلك! قال: أصبحت يا أمير المؤمنين نشيطا، فبكرت إلى بعض المتنزهات، فاستطبت الموضع فأقمت فيه، وسقاني زياد فذكرت أبياتا للأخطل وهو يسقيني، فدارك فيها لحن حسن، فصنعته وقد جئتك به، فتبسم وقال: هاته، فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط، فغناه:
إذا ما زياد علني ثم علني
ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل حتى كأنني
عليك أمير المؤمنين أمير
فقال: بل على أبيك، قبح الله فعلك! فما زال إحسانك في غنائك يمحو إساءتك في فعلك، وأمر له بألف دينار. وأصله قول الأخطل:
إذا ما نديمي علني
وزياد هذا غلام لإسحاق، وقد ذكرنا فيما سبق أنه أعتقه وزوجه من أخته بدافع من أريحيته وأثر الشراب فيه.
أما عبد الله المأمون، فيحدثنا إسحاق عن ناحية من شخصيته، وهي موقفه من الغناء وسماعه، وقد ألمعنا إليها حين عرضنا للكلام عن المنادمة في عصره، ثم نسوق إليك بعد هذا الحديث ما كان لإسحاق من مكانة لدى المأمون أيضا.
قال إسحاق: أقام المأمون بعد قدومه بغداد عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الأغاني، ثم كان أول من تغني بحضرته أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على السماع مستترا متشبها في أول أمره بالرشيد، فأقام على ذلك أربع حجج، ثم ظهر للندماء والمغنين، وكان حين أحب السماع سأل عني، فخرجت بحضرته وقال الطاعن علي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة، وما أبقى من التيه شيئا حتى استعمله؟ فأمسك المأمون عن ذكري وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه في، فأضر ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما فقال لي: أتأذن لي في ذكرك عند المأمون؛ فإنا قد دعينا اليوم؟ فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر؛ فإنه سيبعثه على أن يسألك لمن هذا الشعر، فإذا سألك فتح لك ما تريد، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء، فقال: هات، فألقيت عليه لحني في شعري:
يا سرحة الماء قد سدت موارده
أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حراك به
محلأ عن طريق الماء مطرود
ومضى علويه، فلما استقر به المجلس غناه، فما عدا المأمون أن يسمع الغناء حتى قال: ويحك يا علويه! لمن هذا الشعر؟ قلت: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته بغير جرم، فقال: إسحاق تعني؟ فقلت: نعم، فقال: يحضر الساعة، فجاءني رسوله، فحضرت، فلما دخلت قال: ادن، فدنوت، ورفع يديه مادهما إلي، فأكببت عليه فاحتضنني بيديه، وأظهر من بري ما لو أظهره صديق مؤانس لصديقه لسره.
7
ثم ما زالت تعظم مكانته عند المأمون حتى سأله يوما أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد مدة طويلة أن يأذن له بالدخول مع الفقهاء، فأذن له، فدخل يوما مع يحيى بن أكثم متماسكين، وعلويه ومخارق في حجرة لهما جالسين ينتظران جلوس المأمون، فرأياهما وقد دخلا حتى جلسا بين يدي المأمون، فكاد علويه أن يجن وقال: يا قوم، سمعتم بأعجب من هذا! يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغن حتى يجلسا بين يدي الخليفة! ثم مضت مدة فسأل إسحاق المأمون في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، فضحك المأمون وقال: ولا كل هذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم، وأمر له بها. وهذا الخبر يؤيد ما ذكرناه في أول كلامنا على إسحاق من أنه كان يطمح إلى أن يكون في مرتبة غير مرتبة المغنين.