فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، شتمني وذكر أمي واستخف بي، فغضب الرشيد وقال لي: ويلك ما تقول؟ قلت: لا أعلم، فسل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين فسألهما عن القصة، فجعلا يخبرانه ووجهه يتربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسري عنه ورجع لونه، وقال: لا ذنب له، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك، وأمسك عن هذا! فلما انقضى المجلس وانصرف الناس أمر بألا أبرح، وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظني وأوهمتني نفسي، فأقبل علي وقال: يا إسحاق، أتراني لم أفهم قولك ومرادك وقد زينته ثلاث مرات؟ أتراني لا أعرف وقائعك وإقدامك وأين ذهبت؟ ويلك لا تعد! حدثني عنك لو ضربك إبراهيم أكنت أضربه وهو أخي يا جاهل! أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك! أكنت أقتله بك؟! فقلت: والله يا أمير المؤمنين، قتلتني بهذا الكلام، وإن بلغه ليقتلني، فما أشك في أن بلغه الآن، فصاح بمسرور وقال: علي بإبراهيم، فأحضر، فقال لي: قم فانصرف.
فقلت لجماعة من الخدم - وكلهم كان له محبا وإلي مائلا ولي مطيعا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله وقال له: أتستخف بخادمي وصنيعتي، وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي! وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي! هاه هاه! وتقدم على هذا وأمثاله! وأنت ما لك وما للغناء؟ وما يدريك ما هو؟ ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهم أنك تبلغ فيه مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه، وهو من صناعته؟ ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليه فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه، هذا مما يدل على السقوط، وضعف العقل، وسوء الأدب، من دخولك فيما لا يشبهك، وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك، ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك إلى إفراط الجهل، ألا تعلم أن هذا سوء أدب وقلة معرفة، وعدم مبالاة للخطأ والرد القبيح والتكذيب؟ ثم قال: والله العظيم، وحق رسوله، وإلا فأنا بريء من المهدي إن أصابه أحد بمكروه، أو سقط عليه حجر من السماء، أو وقع من دابته، أو سقطت عليه سقيفة، أو مات فجأة، لأقتلنك به، والله والله وأنت أعلم، قم الآن فاخرج ولا تعرض له. فخرج وقد كاد أن يموت، فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فجعل ينظر إليه مرة وإلي مرة ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه، واعرف حقه وصله، فإذا فعلت ذلك، وخالف ما تهواه، عاقبته بيد مستطيلة، ولسان منطلق، ثم قال لي: قم الآن إلى مولاك وابن مولاك، فقبل رأسه. فقمت إليه وقام إلي واصطلحنا.
ولعل ما قدمناه لك يعطيك صورة واضحة عما كان لإسحاق من مكانة لدى الرشيد، وما كان للرشيد من حدب عليه وبر به.
أما مكانة إسحاق عند الأمين وبطانته، فإنها لا تقل - أيدك الله - عن مكانته عند الرشيد وبطانة الرشيد، ولا ترى خيرا في الدلالة على هذه المكانة من كلام إسحاق نفسه؛ قال إسحاق: استدناني الأمين يوما وهو مستلق على فراش حتى صارت ركبتي على الفراش، ثم قال: يا إسحاق، أشكو إليك أصحابي، فعلت بفلان كذا ففعل كذا، وفعلت بفلان كذا ففعل كذا، حتى عدد جماعة من خواصه، فقلت له: أنت يا سيدي تتفضل علي وتحسن رأيك في، ظننت أني ممن يشاور في مثل هذا الحديث ، تجاوزت بي حدي ومقداري، وهذا رأي يجل ولا يبلغه قدري، فقال: ولم؟ أنت عندي عالم عاقل ناصح، قلت: هذه المنزلة عند سيدي علمتني ألا أقول إلا ما أعرف، ولا أطلب إلا ما أنال، فضحك وقال: بلغني أنك عملت في هذه الأيام لحنا في شعر الراعي، فلم أسمعه منك، فقلت: يا سيدي، ما سمعه أحد إلا جواري، ولا حضرت عندك منذ صنعته، فقال: غنه، فقلت: الهيبة والصحو يمنعانني من أن أؤديه كما أريد، فلو آنس أمير المؤمنين عبده بشيء يطربه ويقوي طبعه كان أجود، قال: صدقت، ثم أمر بالغداء فتغدينا، وأمر بالستائر فمدت، وغنى من وراءها وشربنا أقداحا، فقال: يا إسحاق، ما جاء أوان الصوت؟ فقلت: بلى يا سيدي، وغنيت في شعر الراعي: