ويعدو بنا الكلام عن القصد لو أطلقنا لأنفسنا العنان في إيراد كل ما نراه حسنا وظريفا من أحاديث إسحاق ومجالسه، وما كان يتفق له من مفاكهات ونوادر ؛ لذلك نكتفي بإيراد بعض حوادثه مما يتصل بالخلفاء الذين عاشرهم وما كانوا يحيطونه به من عطف ورعاية.
وقدمنا لك أن إسحاق ظهر في عهد الرشيد، وتوفي في صدر أيام المتوكل، فلنذكر لك شيئا من تاريخه ونوادره مع كل خليفة من خلفاء هذه الفترة من العصر العباسي.
أما الرشيد فقد كان يلقبه من إعجابه به بأبي صفوان، ولقبه «إسحاق أبو محمد» كما رأيت، وقد بلغ من إعجابه به أن استأثر به لنفسه، ونهاه عن أن يغني أحدا غيره، ويحدثنا إسحاق عن هذا بقوله: نهاني الرشيد أن أغني أحدا غيره، ثم استوهبني جعفر بن يحيى، وسأله أن يأذن له في أن أغنيه ففعل، واتفقنا يوما عند جعفر وعنده أخوه الفضل، والرشيد يومئذ عقيب علة قد عوفي منها وليس يشرب، فقال لي الفضل: انصرف الليلة حتى أهب لك مائة ألف درهم، فقلت له: إن الرشيد نهاني أن أغني إلا له ولأخيك، وليس يخفى عنه خبري، وأنا متهم بالميل إليكم، ولست أتعرض له ولا أعرضك، فلما نكبهم الرشيد، وقال: إيه يا إسحاق، تركتني بالرقة وجلست ببغداد تغني الفضل بن يحيى! فحلفت بحياته أنني ما جالسته قط إلا علي الحديث والمذاكرة، وأنه ما سمعني قط إلا عند أخيه، وحلفته بتربة المهدي أن يسأل عن هذا في دارهم من نسائهم، فسأل عنه فحدث بمثل ما ذكرته وعرف خبر المائة ألف الدرهم التي بذلها لي ورددتها، فلما دخلت عليه ضحك ثم قال: سألت عن أمرك فعرفته مثلما عرفتني، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضا عما بذله لك الفضل.
ويقول الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما على الرشيد، فرأيناه لقس
6
النفس، فأنشده إسحاق:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري
فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الكرام ولا أرى
بخيلا له حتى الممات خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله
فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته
إذا نال خيرا أن يكون ينيل
فعالى فعال المكثرين تجملا
ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى
ورأي أمير المؤمنين جميل
قال: فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله، ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها، ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله، يا أمير المؤمنين، أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة؟ فضحك الرشيد، وقال: اجعلوها مائة ألف درهم، قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني.
وكان من أشد منافسي إسحاق في الغناء إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد الذي كان يعتز عليه بجاهه، وبما له من حظ في الفن كبير، ومن أشد الملاحاة التي حدثت بينهما ما كانت في مجلس الرشيد؛ قال إسحاق: كنت عند الرشيد يوما وعنده ندماؤه وخاصته، وفيهم إبراهيم بن المهدي، فقال الرشيد: غن:
أعاذل قد نهيت فما انتهيت
وقد طال العتاب فما ارعويت
أعاذل ما كبرت وفي ملهى
ولو أدركت غايتك انثنيت
شربت مدامة وسقيت أخرى
وراح المنتشون وما انتشيت
فغنيته، فأقبل علي إبراهيم بن المهدي فقال لي: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت، فقلت له: ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه، وإن شئت فغنه، فإن لم أجدك أنك مخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك، فدمي حلال! ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي، وصناعة أبي، وهي التي قربتنا منك، وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعنا أحد بلا علم لم نجد بدا من الإيضاح والذب، فقال: لا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي علي وقال لي: ويلك يا إسحاق، أتجترئ علي وتقول ما قلت يا ابن الزانية! فداخلني ما لم أملك نفسي معه، فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لقلت لك: يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية، أوتراني لا أحسن أن أقول لك: يا ابن الزانية، ولكن قولي لك ذلك ينصرف إلى خالك، ولولا ذلك لذكرت صناعته ومذهبه - قال: وكان بيطارا - ثم سكت، وعلمت أن إبراهيم سيشكوني إلى الرشيد ، وسوف يسأل من حضر عما جرى، فيخبرونه، فتلافيت ذلك بأن قلت: أنت تظن أن الخلافة لك، فلا تزال تهددني بذلك، وتعاديني كما تعادي سائر أولياء وغلمان أخيك حسدا له ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخف بأوليائهم تشفيا، وأرجو ألا يخرجها الله تعالى عن الرشيد ولا عن ولده، وأن يقتلك دونها، فإن صارت إليك - والعياذ بالله تعالى - فحرام علي العيش حينئذ، والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك.