ومهما يكن من شيء فقد اشتهر إسحاق بالغناء دون غيره مما كان يحسنه من سائر العلوم، وقد كان إسحاق مع ذكائه وعلمه، وعلو نفسه، وبعد همته، مهيبا كريما، جم الأدب، عفيف اللسان.
أما عن كرمه فيروي لنا صاحب الأغاني أنه كان يجري على أبي عبد الله الأعرابي في كل سنة ثلاثمائة دينار، وأن ابن الأعرابي هذا وقف على المدائني يوما فقال له المدائني: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: أمضي إلى رجل هو كما قال الشاعر:
نرمي بأشباحنا إلى ملك
نأخذ من ماله ومن أدبه
قال: ومن ذلك؟ قال: إسحاق بن إبراهيم!
وإنا نسوق إليك قصة أخرى، وهي مع دلالتها على شغف إسحاق بالعلم والحرص على استثباته تدل أيضا على سخاء نفسه وكرمه.
قال إسحاق: جئت يوما إلى أبي معاوية الضرير ومعي مائة حديث، فوجدت حاجبه يؤمئذ رجلا ضريرا، فقال لي: إن أبا معاوية قد ولاني حجابته لينفعني، فقلت له: معي مائة حديث، وقد جعلت لك مائة درهم إذا قرأتها، فأستأذن لي. فدخلت على أبي معاوية، فلما عرفني دعاه فقال له: أخطأت؛ إنما جعلت لك ذلك على الضعفاء من أصحاب الحديث، فأما أبو محمد وأمثاله فلا، ثم أقبل علي يرغبني في الإحسان إليه، ويذكر ضعفه وعنايته به، فقلت له: احتكم في أمره، فقال: مائة دينار، فأمرت الغلام بإحضارها، وقرأت عليه ما أردت وانصرفت. وهذه القصة تدل على أريحيته إلى جانب دلالتها على علمه.
قال أحمد بن الهيثم: كنت يوما جالسا ب «سر من رأى» عند إخوان لي، وكان طريق إسحاق في مضيه إلى دار الخليفة ورجوعه علينا، فجاءني الغلام يوما وعندي أصدقائي فقال: إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب، فقلت: يدخل، أوفي الأرض من يستأذن عليه لإسحاق؟! فذهب الغلام يأذن له وبادرت إلى تلقيه، فدخل وجلس منبسطا آنسا، فعرضنا عليه ما عندنا، فأجاب إلى الشراب، فأحضرنا نبيذا مشمسا، فشرب منه ثم قال: أتحبون أن أغنيكم؟ فقلنا: إي والله، أطال الله بقاءك، إنا نحب ذلك، قال: فلم لا تسألونني؟ قلنا: هبناك، قال: فلا تفعلوا، ثم دعا بعود فأحضرناه، فاندفع يغني، فشربنا وطربنا، فلما فرغ قال: أحسنت أم لا؟ فقلنا: بلى والله، جعلنا فداك، لقد أحسنت، قال: فما منعكم أن تقولوا لي أحسنت؟ قلنا: الهيبة والإجلال لك، قال: فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون؛ فإن المغني يحب أن يقال له: أحسنت، ثم غنى:
خليلي هبا نصطبح بسواد
ونرو قلوبا هامهن صوادي
وقولا لساقينا زياد يرقها
فقد هد بعض القوم سقي زياد
فقلت: يا أبا محمد، فمن هو زياد؟ قال: غلامي الواقف على الباب، ادعه يا غلام، فدخل فإذا هو غلام خلاسي،
5
قيمته عشرون دينارا أو نحوها، فقال: أتسألونني عنه، فأعرفكم إياه، وأدخله إليكم، ويخرج كما دخل! وقد سمعتم شعري فيه وغنائي، أشهدكم أنه حر لوجه الله تعالى، وقد زوجته أختي فلانة، فأعينوه على أمره، قال: فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم. ولعل في هذه القصة المتقدمة أيضا مقنعا لك بما كان لإسحاق في نفوس الناس من هيبة وكرامة.
منزلة إسحاق في الغناء
قدمنا لك أننا نعترف بالعجز عن أن نجلو الناحية الفنية من حياة إسحاق، وأن ذلك لا يتسق إلا لرجل أوتي من المواهب الفنية حظا عظيما، وقدمنا لك أن إسحاق كان يحسن كثيرا من العلوم إحسانا قل أنه يتسق لغيره، وأنه كان مع إجادته الغناء، وتبريزه فيه، وسبقه أقرانه، يكره أن ينتسب إليه أو يسمى به؛ لأنه كان عالي النفس، بعيد مرامي الهمة، ويرى أن انتسابه إلى الغناء يقصر به عن بلوغ مرامي همته. والآن نقول: إنه كان مع هذا شديد الغيرة على الغناء، كثير الذب عنه، وله العذر، فإن صاحب الفن، أيا كان الفن، لا يجد إلى الصبر سبيلا إذا عبث بفنه العابثون أو تهجم المتهجمون.
وإذا كنا نعترف بالعجز عن أن نجلو الناحية الفنية لإسحاق، فإن ذلك لا يمنعنا من أن ننقل إليك شيئا مما رواه المؤرخون؛ لتعلم ما كان يحيط به من إكبار وإعجاب من الخلفاء، ورجالات الدولة، وأصحاب الفن؛ لنبوغه في فنه، وتبريزه فيه، ولتعلم - أيضا مما كان يبديه من ملاحظات - مبلغ ما كان له من دقة حس، وقوة ذوق، وحدة شعور، وسلامة فطرة.