أما إسحاق فقد نشأ في بيت أبيه، وشب وترعرع بعينه،
4
وقد وجد من أبيه الذي فهم الحياة ولذعته آلامها من يهتم بتثقيفه، ويحترم نزعاته الفطرية وميوله النفسية. وإسحاق يعد ابن رجل أثير عند الخلفاء، مقدم لدى رجالات الدولة، وفي وفرة من الثراء وحظ عظيم من الترف، مما يصله به الخلفاء وغير الخلفاء، فاستطاع إسحاق لجاه أبيه وماله أن يختلف إلى جلة العلماء وكبار رجال الفن، وأن يرتاد خير البيئات والأوساط التي لا يقل أثرها في تهذيب النفوس عن أثر التعليم، وقد كان من حظ الموسيقى والآداب أن تتهيأ الأسباب وتستوى الوسائل لرجلها الفذ ونابغتها العظيم.
ويحدثنا إسحاق عن شيء من تربيته وتثقيفه فيقول: «أقمت دهرا أغلس كل يوم إلى هشيم، فأسمع منه ثم أصير إلى الكسائي أو إلى الفراء فأقرأ عليه جزءا من القرآن، ثم أتي منصور زلزل، فيضاربني طريقتين أو ثلاثا، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحادثهما وأستفيد منها، ثم أصير إلى أبي فأعلمه بما صنعت وأخذت، وأتغدى معه وأروح معه عشاء إلى أمير المؤمنين.»
فأنت ترى من حديث إسحاق عن فترة من فترات نشأته وتثقيفه أنه كان يختلف كل يوم إلى رجال الحديث، ثم رجال القرآن والنحو، ثم أهل الفن الضاربين على الآلات والملحنين، ثم يذهب بعد ذلك إلى أهل الأدب والرواية، فيناشدهم ويحادثهم، ويستفيد منهم، ثم يجتمع بأبيه بعد ذلك كله يخبره بما صنع وأخذ، حتى إذا جاء المساء ذهب مع أبيه إلى دار الخلافة، وهي - أيدك الله - خير منتدى لرجال العلم والأدب والسياسة في الدولة.
هذه التربية المنظمة والبيئات الراقية أخرجت من طفل إبراهيم الموصلي - ذلك الطفل الذكي النشيط - رجلا يصفه صاحب الأغاني بقوله: «موضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية ، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يدل عليها بوصف، وسترى في مطاوي ما نورده عليك من أحاديثه ونوادره أنه ما عالج علما من العلوم أو فنا من الفنون إلا برع فيه وبرز.»
فأما الغناء، فحدثنا أبو الفرج صاحب الأغاني أنه كان أصغر علومه، وأدنى ما يوسم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه، فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء، ولم يكن له في هذا نظير لحق بمن مضى فيه، وسبق من قد بقي، وسهل طريق الغناء وأنارها، فهو إمام أهل صناعته جميعا، وقدوتهم ورأسهم ومعلمهم، يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد له الموافق والمفارق، على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضا له، لئلا يدعى عليه ويسمى به.
وهذه الجملة الأخيرة، وهي أنه كان من أكره الناس للغناء ... إلخ، تدلنا بوضوح على نفسية إسحاق ومطامحه من جهة، وعلى ما كان للمغنين وأهل الموسيقى عامة من قيمة ومنزلة من جهة أخرى، كما تدلنا على أن المغنين وأهل الموسيقى كانت منزلتهم مهما نالوا من حظوة لدى الخلفاء وأرباب السلطان دون منزلة الرواة وأهل الأدب، من الفقهاء ورجال الحديث، وتدلنا أيضا على أن إسحاق كان عالي النفس، بعيد الهمة، يكره أن يتصل بفن يقعد به دون ما هو خليق به من منزلة ومكانة، وماذا يصنع إسحاق وقد أوتي موهبة لم يؤتها أحد غيره، وهي موهبة تأبى إلا أن تعلن نفسها، كما يعلن الزهر نفسه بأرجه، والقمري بهديله؟ وماذا يجدي عليه كرهه للغناء وبغضه له وقد يطالبه به من لا يرى سبيلا إلى مخالفته؟
ولقد كان إسحاق في كراهيته للغناء صادق الشعور، صادق الحس، فإنه لم يحل بين المأمون وبين أن يوليه أسمى المناصب إلا شهرته بالغناء؛ إذ يقول المأمون: «لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس وشهرته عندهم بالغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق، وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة.» وقد يكون من حق إسحاق أن يكره الغناء ويألم لاتصاله به؛ إذ يرى المناصب السامية في الدولة يتبوؤها قوم هم دونه فيما وصلوا إليها به، وهم وصلوا إليها بالعلم، وقد كان هو عالما بالفقه والحديث وعلم الكلام، وباللغة والشعر وأخبار الشعراء وأيام الناس، وكان لا يدع فرصة دون أن يعلن سخطه وما ناله من ظلم، فقد حدثنا ابن خلكان أن محمد بن عطية العطوي الشاعر قال: كنت في مجلس القاضي يحيى بن أكثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى فقال: أعز الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقض أو مطعن، قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وأنتسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه، يعني الغناء؟ قال العطوي: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال لي: الجواب في هذا عليك - وكان العطوي من أهل الجدل - فقال للقاضي يحيى: نعم، أعز الله القاضي، الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق فقال: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ فقال: لا، فقال: أنت في اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي الهذيل العلاف والنظام البلخي؟ قال: لا، قال: فأنت في الفقه كالقاضي - وأشار إلى القاضي يحيى؟ فقال: لا، قال: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا، قال: فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه؛ لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله. فضحك وقام وانصرف، فقال القاضي يحيى للعطوي: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وإنه ممن يقل في الزمان نظيره. ا.ه.