تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل أن نعرض للكلام على إسحاق وتفصيل حياته، نقرر أننا عاجزون كل العجز عن أن نجلو الناحية الفنية من شخصيته، فإن جلاء هذه الناحية وكشفها لا يتسق إلا لرجل أوتي حظا كبيرا من الموسيقى، يستطيع به أن يقدر مواهب أهل الفن وما وفقوا إليه من إجادة، ونرجو أن يتاح لإسحاق من يتوافر له هذا الحظ، فيجلو لنا شخصيته الفنية، ومبلغ المدى الذي قطعه في سبيل الكمال الموسيقي، كما أتيح «لبتهوفن» وغير «بتهوفن» من أصحاب المواهب الكبيرة في الموسيقى من أبرز شخصياتهم الفنية للناس، وأبان ما لعبقرياتهم من آيات خالدات في الفن.

ولن يستطيع أحد مهما أوتي من مواهب واتخذ من أسباب أن يجلو شخصية إسحاق الفنية ما بقيت مصطلحات الموسيقى العربية مغلقة لم تفتح، وما بقيت تعاليمها ألغازا لم تحل.

وإذ كان هذا هو موقفنا من الناحية الفنية إزاء شخصية إسحاق، فلنكن مؤرخين ليس غير، نورد لك الحوادث كما رواها المؤرخون مع تحليل ما نوفق إلى تحليله من أخلاقه وأعماله فنقول: هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ميمون بن بهمن بن نسك، ووالده إبراهيم وهو ماهان، وسبب نسبته إلى ميمون أنه كتب كتابا إلى صديق له فعنونه: من إبراهيم بن ماهان ... فقال بعض إخوانه من فتيان الكوفة: أما تستحي من هذا الاسم؟ قال: هو اسم أبي، قال: فغيره، قال: فكيف أغيره؟ فأخذ الفتى الكوفي الكتاب فمحا ماهان وكتب ميمونا، فصار من ذلك الحين إبراهيم بن ميمون.

وأصل أسرة إسحاق من فارس، من بيت شريف في العجم، كان هرب جده ماهان من جور بعض عمال بني أمية لخراج طولب بأدائه، فنزل الكوفة، وأم إبراهيم والد إسحاق من بنات الدهاقين الذين هربوا كما هرب ماهان، وتزوجها ماهان بالكوفة، فولدت له إبراهيم ثم مات وسن إبراهيم سنتان أو ثلاث، فكفل إبراهيم آل خزيمة بن خازم، ومن هذا صار ولاؤه إلى تميم.

وقد سأل الرشيد إبراهيم عن السبب بينه وبين تميم، فقال له: ربونا يا أمير المؤمنين فأحسنوا تربيتنا، ونشأت فيهم، وكان بيننا وبينهم رضاع فتولونا بهذا السبب. وقال إسحاق يفتخر بأصله وبيته وكافلي أبيه:

إذا كانت الأشراف أصلي ومنصبي

ودافع ضيمي حازم وابن خازم

عطست بأنف شامخ وتناولت

يداي الثريا قاعدا غير قائم

وسبب قولهم: الموصلي أنه لما اشتد إبراهيم وأدرك صحب الفتيان واشتهى الغناء وطلبه، فاشتد أخواله عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب إلى الموصل وأقام بها سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلي، فغلبت عليه.

ثم ما زال إبراهيم يأخذ بأسباب الغناء حتى حذقه، واتصل بأحد عمال المهدي، ثم بلغ المهدي أمره فطلبه إليه، وبقي بعد ذلك متصلا بالخلفاء ورجالات الدولة حتى توفي في عهد الرشيد سنة 188ه.

أما ابنه إسحاق الذي عقدنا هذا الفصل لتحليل شخصيته وللكشف عن مواهبه وأخلاقه، فولد سنة 150ه ولم يظهر شأنه وتتم منزلته إلا في أيام الرشيد، ثم أخذ نجمه يتألق في سماء الخلافة العباسية أيام الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق، ثم توفي سنة 235ه في صدر أيام المتوكل، وكان يحل من هؤلاء الخلفاء جميعا بموضع العطف والتجلة، وسنذكر شيئا من صلته بكل خليفة، وما كان يغدقه عليه كل خليفة من عطف ومال.

نشأته

كان حظ إسحاق من وسائل التهذيب والتثقيف خيرا من حظ والده إبراهيم، فإن والده نشأ يتيما فكفله غير أبيه، حتى إذا شب وترعرع وظهر ميله إلى نوع خاص من الفنون لم يجد من القائمين بأمره ومن لهم سلطان عليه من يقدر استعداده الفطري، ونزعاته النفسية، حتى اضطر - من إلحاح ضغط أخواله عليه، ومطالبتهم إياه أن يترك الغناء، وألا يأخذ في شيء من أسباب الموسيقى - أن يهيم على وجهه في الأرض، في سبيل تحقيق ما تميل إليه نفسه، ويهيئه له استعداده.

عصر المأمون · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٩٤