وقيل: إن هذه الأبيات قالها في الحسن بن وهب وهو صبي، وقد لاعبه وجمشه فغضب الحسن.
أخلاقه
حسبنا أن نذكر لك دلالة على ما لهذا الرجل من فطنة وحزم وتدبير وحسن سياسة أنه تملك قلب المأمون، الذي قدمنا لك عنه ما قدمنا، حتى غلب عليه دون الناس جميعا، وكان مع ذلك مهيبا، خفيف الروح، سليط اللسان، قوي القلب، سريع الخاطر، وحسبك دلالة على قوة قلبه وسرعة خاطره ما روي من أن المأمون قال له معرضا به: من الذي يقول:
قاض يرى الحد في الزناء ولا
يرى على من يلوط من باس؟
قال: أوما يعرف أمير المؤمنين من القائل؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال
أمة وال من آل عباس
فأفحم المأمون خجلا وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند. وهذان البيتان من قصيدته التي قد ذكرناها في الحياة الأدبية لعصر المأمون.
وقد جعل العلماء مقارنة بين أحمد بن أبي دواد ويحيى بن أكثم في أخلاقهما وآرائهما ونفوذهما لدى الملوك، فيقال: إن كليهما غلب على سلطانه في عصره، ووصفهما بعض البلغاء وقد سئل عن أيهما أنبل فقال: كان أحمد يجد مع جاريته وابنته، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه.
سيرته
أما سيرته فلم نر رجلا في مركزه الديني والاجتماعي حامت حوله الريب والإشاعات مثلما حامت حول هذا القاضي، ومع هذه الريب والإشاعات فقد كان مرعي الجانب، موفور الكرامة، ويظهر أن جل الناس حتى أخص أصدقائه به كانوا يجنحون إلى تصديق هذه الإشاعات، إلا أئمة الدين، فقد كانوا يكبرونه وينكرون أن يكون لهذه الإشاعات ظل من الحق، فقد سئل أحمد بن حنبل عن هذه الإشاعات فأنكرها إنكارا.
ولعل الذي يفسر موقف رجال الدين منه هذا الموقف وإنكارهم ما ينسب إليه من إشاعات موقف يحيى من المأمون يوم «المتعة» وغير يوم المتعة، مما جعله في نظرهم بطلا من أبطال الدين، وخليقا بمثله أن يكون بنجوة من كل منكر.
أما يحيى نفسه، فيحدثنا ابن خلكان نقلا عن ابن الأنباري، أنه قال لرجل كان يأنس له ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون في؟ قال: ما أسمع إلا خيرا، قال: ما أسألك لتزكيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي ... قال: فضحك، وقال: اللهم غفرا المشهور عنا غير هذا.
ويقال: إن المأمون لما تواترت هذه الإشاعات أراد أن يمتحنه فأخلى له مجلسا واستدعاه، وكان قد أسر إلى غلام خزري أن يكون في خدمتهما وحده حتى إذا خرج المأمون عابث القاضي، فلما استقر بهم المقام وخرج المأمون أخذ الغلام يعابث القاضي، فسمع المأمون - وكان يستمع حديثهما - القاضي يقول: «لولا أنتم لكنا مؤمنين»، فدخل عليهما منشدا قول أبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب:
وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهرا
فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها
وقاضي قضاة المسلمين يلوط
وقد قلنا: إن أخص أصدقائه به كان يجنح إلى تصديق هذه الإشاعات، فقد قيل: إن صديقه أبا عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد اشتهى بعد أن مات يحيى أن يراه في المنام ليعلم ما فعل الله به، فأوحت إليه الأحلام أن الله غفر له بعد أن وبخه على تخليطه، وأن يحيى حاج ربه بالحديث المشهور: «إني لأستحي أن أعذب ذا شيبة بالنار.» فهل يستوحي الأحلام ليعلم ما فعل الله بصديقه من يعتقد براءته؟
تآليفه
يحدثنا المؤرخون أن يحيى بن أكثم ألف كتبا في الفقه، وأخرى في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين أصحاب أبي حنيفة سماه «كتاب التنبيه». وهذا يؤيد ما قاله الدارقطني من أنه كان من أصحاب الشافعي. (7) إسحاق بن إبراهيم الموصلي
قد يكون حظ المغنين وأهل الموسيقى المسلمين من عناية المؤرخين في العصور الإسلامية أكثر من حظ غيرهم، وقد عني المؤرخون بتسجيل حوادثهم وألحانهم وإيقاعاتهم، وما كان يقع بينهم من خلاف منشؤه المنافسة والحسد، أو التقرب إلى ذوي السلطان، وما كان يتفق لهم من مفاكهات لطيفة، ونكات طريفة. وهذه العناية ظاهرة من الكتب الكثيرة التي أرصدت لهذه الناحية من تاريخ الحضارة الإسلامية، وقد عبث الدهر بجل هذه الكتب ولم يبق منها إلا القليل، وعلى رأس هذا القليل الباقي - وهو الحجة في هذا الموضوع - كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني.