تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهل يمكن مع ذلك إبداء رأي في عقيدة يحيى الكلامية؟ وهل يمكن أن تكون كل هذه الروايات صحيحة مع ما يبدو عليها من شبه تناقض؟

نظن أنه باستعمال شيء من التحليل يمكن إبداء الرأي، ويمكن التوفيق أيضا؛ ذلك بأن يحيى بن أكثم كان كيسا حازما، خفيف الروح، حلو اللسان، فاستطاع بذلك أن يداري الناس جميعا، خاصتهم وعامتهم، وأن يكتسب رضاهم جميعا، فإذا حوور وجودل فاشتد أحيانا؛ فإنما يكون ذلك إلى الحد الذي لا يمس مكانته ونفوذه، فبقي في حظوة لدى المأمون وإخوان المأمون دونها كل حظوة، وكان في الوقت نفسه بموضع الكرامة والرضا من أهل السنة والجماعة.

إلى هنا لم نستطع أن نبدي شيئا في رأيه، وكل ما يمكن أن يستنبط مما تقدم أنه كان حسن التقية، بارعا في المداراة والمصانعة والرياء، وكانت هذه الخلة من أظهر مميزات العصر؛ فالخليفة يداري فيقابل قاتل أخيه بالترحاب، فإذا ما خرج القائد القاتل وسئل المأمون عن عبرة استعبرها كانت إجابته: «قتلني الله إن لم أقتل طاهرا» ثم هو بعد يوصي صاحب أخباره بالرياء، ويعدد لنا أهل الرياء في عصره. وهاك مثلا قاضي قضاته كما ترى من سيرته.

ولكن هل من الممكن أن نستسيغ مشادته العنيفة أحيانا في محاورة صديقه ومصطنعه ثمامة بن أشرس، مع ما في هذه المشادة من نكران للجميل، ومن تعريض نفوذه للضياع، دون أن يكون على خلف معه في الرأي، ودون أن نميل إلى صحة ما يرويه المؤرخون من أنه كان سليما من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة؟

هذا ما يمكن أن تؤدي إليه المقدمات وإن كانت حياة يحيى والبيئة التي تحيط به تجعله إلى الجانب الآخر أقرب. نريد من كل هذا أن نستنبط رأي يحيى الكلامي وإن كان، وهو قاضي القضاة، حريصا على أن يكون بنجوة عن منازعات الأحزاب الكلامية، إذ نظن أن الذي ينصح إلى المأمون حين أراد أن يلعن معاوية، وأن يكتب بذلك كتابا يقرأ في حفل من الناس بقوله: «يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا، ولا سيما أهل خراسان، ولا تأمن أن تكون لهم نفرة، وإن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر

3

لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصلح في السياسة، وأحرى في التدبير.» نظن أن الذي يفعل ذلك هو من أحرص الناس.

هذا كله كان في الفترة التي كان فيها متصلا بمناصب الدولة أو على أمل الاتصال بها، أما بعد أن سخط عليه المأمون وأقصاه من مناصب الدولة، وأوصى إلى المعتصم بأن يتدرع بالحذر منه ومن أمثاله، فقد ظهر يحيى بن أكثم معارضا عنيفا لبدعة خلق القرآن، ومن هنا نميل إلى أن نفترض أن الجملة التي رواها ابن خلكان صحيحة النسبة إليه، وأنها من آثاره بعد غضب المأمون عليه.

أدبه

ذكر أن يحيى بن أكثم كان فقيها بصيرا بالأحكام، راويا للحديث، آخذا من كل فن بطرف، ويظهر أن حظه من الأدب الإنشائي لم يكن كحظه من غيره، فإنه لم يؤثر عنه في المصادر التي بين أيدينا من القطع الرائعة النثرية أو الشعرية إلا أبيات من الشعر نسبت إليه في الغزل بالمذكر، من ذلك ما عزي إليه حين دخل عليه ابنا مسعدة، وكانا في نهاية الجمال، وكانا كلما يمشيان في الصحن أنشد قوله:

يا زائرينا من الخيام

حياكم الله بالسلام

لم تأتياني وبي نهوض

إلى حلال ولا حرام

يحزنني أن وقفتما بي

وليس عندي سوى الكلام

ويقال: إن هذه الأبيات كانت سببا لعزله كما قدمنا.

ومما ينسب إليه من الشعر قوله في غلام جميل كان يكتب بين يديه، فقرص القاضي خده، فخجل الغلام وطرح القلم من يده، فأملى عليه هذه الأبيات:

أيا قمرا جمشته فتغضبا

وأصبح لي من تيهه متجنبا

إذا كنت للتجميش والعض كارها

فكن أبدا يا سيدي متنقبا

ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة

وتجعل منها فوق خديك عقربا

فتقتل مسكينا وتفتن ناسكا

وتترك قاضي المسلمين معذبا

عصر المأمون · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٩٢