ثم لم تزل تختلف الأحوال على يحيى بن أكثم بعد ذلك، وتتقلب به الأيام حتى أيام المتوكل على الله، فلما عزل القاضي محمد بن القاضي أحمد بن أبي دواد فوض ولاية القضاء إلى القاضي يحيى، وخلع عليه خمس خلع، ثم غضب عليه المتوكل وعزله سنة أربعين ومائتين وأخذ أمواله، وألزم منزله. ثم حج بعد ذلك وأخذ معه أخته واعتزم أن يجاور، ثم بلغه رضا المتوكل عنه ورجوعه له، فبدا له في المجاورة ورجع يريد العراق، فلما كان بالربذة في طريقه إلى العراق وافته المنية يوم الجمعة منتصف ذي الحجة سنة أربعين ومائتين، وقيل: غرة ثلاث وأربعين ومائتين، ودفن هناك. وقد قدمنا لك ما ذكره ابن خلكان في عمره حين الوفاة، وشفعناه بما يمكن أن يكون في كلامه من تناقض أو سهو أو تحريف.
كان يحيى بن أكثم فقيها عالما بالفقه، بصيرا بالأحكام، وقد عده الدارقطني في أصحاب الشافعي رضي الله عنه، راويا للحديث، آخذا بحظ كبير من كل فن، سمع الحديث عن عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما، ويروي عنه الترمذي وغيره من رجال السنة وحفظة الحديث، وكانت له منزلة سامية لدى رجال الدين وعلماء الجماعة.
ومما رفع منزلته لدى الناس جميعا موقفه المشهور مع المأمون، مما يدل على سعة علمه، وقوة حجته، وعظيم جراءته؛ ذلك بأن المأمون رأى وهو في طريقه إلى الشام جواز نكاح المتعة، فوقف له يحيى موقفا أكسبه حمد أئمة الدين وثناءهم عليه. ونحن نزجى إليك هذا الحديث نقلا عن ابن خلكان، قال: «حدث محمد بن منصور قال: كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكرا غدا إليه؛ فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلا فأمسكا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنها! ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر رضي الله عنه! فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقوله نكلمه نحن! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيرا؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا! قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله عز وجل وحديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى:
قد أفلح المؤمنون
إلى قوله:
والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون
يا أمير المؤمنين، زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري، يا أمير المؤمنين، روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم، يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك رضي الله عنه، فقال: أستغفر الله! نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها.» ا.ه.
أما آراء يحيى الكلامية فإن المؤرخ يقف أمامها موقف حيرة وإحجام، ويحتاج إذا أراد أن يبدي رأيا فيها إلى شيء غير قليل من الأناة والروية؛ ذلك بأن يحيى كان يقف موقفا قريبا من الفتنة العنيفة التي كانت مضطرمة في وقته، فهو قاضي قضاة المأمون، ومنزلته منه منزلة يغبط عليها، والمأمون زعيم القائلين بخلق القرآن، وهي بدعة اعتزالية، ثم هو في الوقت نفسه مرضي عنه من الجماعة وأهل السنة، ثم نراه حينا يقف موقف المعارضة من صديقه وحميمه ثمامة بن أشرس المعتزلي وزعيم الطائفة الثمامية، معارضة تشتد في بعض الأحيان إلى المخاشنة والمهاترة، وأنت تعلم من هو ثمامة وما علاقته بالمأمون وثقة المأمون به، ثم تعلم ما كانت علاقته بيحيى نفسه وكم له من يد عليه، أضف إلى كل هذا ما يرويه ابن خلكان من أنه كان يقول: «القرآن كلام الله، فمن قال: إنه مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه» ولاحظ أن المأمون زعيم القائلين بذلك.