تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم نرى يحيى بعد أن عزل من قضاء البصرة في بغداد ثاويا في دار شادها له صديقه الحميم ثمامة بن أشرس بحضرته - وكان ثمامة بن أشرس هذا عالما متكلما سليط اللسان قوي الحجة ذا آراء في الاعتزال، وإليه تنسب الطائفة الثمامية من المعتزلة، وكان متصلا بالمأمون محببا إليه، موثوقا به منه، فكان خير وسيلة لاتصال صديقه يحيى بالخليفة المأمون - ثم عرف المأمون ما في يحيى من علم وذكاء وحزم فأدناه إليه وقربه منه، وخصه برعايته وعطفه حتى غلب عليه دون الناس جميعا.

ويحدثنا ابن طيفور أن يحيى بن أكثم قال للمأمون: أظهر لكل قاض ما تريد أن توليه إياه وأمره بكتمانه، ثم انظر أيفعل أم لا، وضع عليهم أصحاب أخبار، فقال له المأمون: أوليك قضاء القضاة، وقال لغيره ما يريد أن يوليه، فشاع ذلك كله إلا خبر يحيى، فإنه أتاه أن الناس ذكروا أنه يريد الخروج إلى البصرة على قضائها، فذمهم، وقال له: كيف شاع هذا وأمرت باكتراء السفن إلى البصرة؟ قال يحيى: يا أمير المؤمنين، ليس يستقيم كتمان شيء إلا بإذاعة غيره وإلا وقع الناس عليه، قال: صدقت وحمده.

من المجمع عليه أن يحيى بن أكثم كان قاضي القضاة للخليفة المأمون، ولكن هل توزر له؟ لم يذكره الفخري في وزراء المأمون، لكن ابن طيفور ذكر فيما نقلناه عنه أن المأمون استوزره، فهل يمكن أن يكون المراد من استيزار المأمون له ما ذكره طلحة بن محمد بن جعفر؟ إذ يقول في آخر وصفه لفضل يحيى بن أكثم وعلمه وأخلاقه: «وكان المأمون ممن برع في العلوم فعرف من حال ابن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه حتى قلده قضاء القضاة، وتدبير أهل مملكته، فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئا إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم.» ليس يبعد أن يكون هذا هو المراد، على أنا قد عددناه من وزراء المأمون في كلمتنا المجملة عن وزرائه.

ومهما يكن من شيء، فقد كان يحيى بن أكثم قاضي القضاة وصاحب الكلمة العليا والأمر النافذ في الدولة، وكانت مكانته من المأمون لا تدنو منها مكانة، ولكي تقدر حظوته لدى المأمون وأدب المأمون معه نورد لك ما يروى عن يحيى بن أكثم نفسه، قال:

بت ليلة عند المأمون فانتبه في بعض الليل فظن أني نائم، فعطش ولم يدع الغلام لئلا أنتبه، وقام متسللا خائفا هادئا في خطاه حتى أتى البرادة، فشرب ثم رجع وهو يخفي صوته كأنه لص حتى اضطجع، وأخذه سعال فرأيته يجمع كمه في فمه كي لا أسمع سعاله، وطلع الفجر فأراد القيام وقد تناومت، فصبر إلى أن كادت تفوت الصلاة فتحركت، فقال: الله أكبر، يا غلام، نبه أبا محمد، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت بعيني جميع ما كان الليلة من صنيعك، وكذلك جعلنا الله لكم عبيدا، وجعلكم لنا أربابا.

وهاك حكاية أخرى تدل على أدب المأمون وحظوة يحيى لديه، وهي مروية عن ثمامة بن أشرس صديق يحيى وثقة المأمون، قال ثمامة: «كان يحيى بن أكثم يماشي المأمون يوما في بستان موسى والشمس عن يسار يحيى والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحادثان حتى بلغ حيث أراد، ثم كر راجعا في الطريق التي بدأ فيها، فقال ليحيى: كانت الشمس عليك لأنك كنت عن يساري، وقد نالت منك، فكن الآن حيث كنت وأتحول أنا إلى حيث كنت، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك هول المطلع بنفسي لفعلت، فقال المأمون: لا والله ما بد من أن تأخذ الشمس مني مثلما أخذت منك، فتحول يحيى وأخذ من الظل مثل الذي أخذ منه المأمون.» ا.ه.

ولم يزل في هذه الرعاية من المأمون والحظوة لديه يفوض إليه المأمون جليل الأعمال، ويرسله في مهام الأمور، حتى كانت سنة 216ه؛ إذ نرى المأمون بمصر يسخط على يحيى بن أكثم الذي كان في حاشيته، ويرسله مغضوبا عليه إلى العراق، ثم يبلغ من حنقه عليه أن يكتب في وصيته إلى ولي عهده المعتصم محذرا إياه من اصطناع الوزراء والركون إليهم، ضاربا بيحيى بن أكثم مثلا في سوء السيرة وقبيح الفعال، ونحن نلقي على مسامعك ما كتبه في وصيته متعلقا بيحيى: «ولا تتخذن بعدي وزيرا تلقي إليه شيئا؛ فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته، حتى أبان الله ذلك منه في صحة مني، فصرت إلى مفارقته قاليا له غير راض بما صنع في أموال الله وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيرا.»

عصر المأمون · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٩٠