ويقول ابن خلكان في سبب اتصاله بالقضاء: أراد المأمون أن يولي رجلا القضاء، فوصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فلما حضر دخل عليه، وكان دميم الخلق فاستحقره المأمون لذلك، فعلم ذلك يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، سلني إن كان القصد علمي لا خلقي، فسأله المأمون المسألة المعروفة في الميراث بالمسألة المأمونية، وهي أبوان وبنتان لم تقسم التركة حتى ماتت إحدى البنتين وخلفت من في المسألة، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، الميت الأول رجل أم امرأة؟ فعرف المأمون أنه قد عرف المسألة فقلده القضاء.
ثم يذكر لنا ابن خلكان بعد ذلك نقلا عن تاريخ بغداد للخطيب، أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغره أهل البصرة فقالوا: كم سن القاضي؟ فعلم أنه قد استصغر فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي
صلى الله عليه وسلم
قاضيا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي
صلى الله عليه وسلم
قاضيا على اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا على أهل البصرة، فجعل جوابه احتجاجا.
قد عرفت - مما ذكرناه عن ابن طيفور المعاصر ليحيى وعن ابن خلكان - أن بين روايتي المؤرخين في سبب اتصال يحيى بالقضاء خلافا، فابن طيفور يروي لنا أنه اتصل أولا بالحسن بن سهل، نائب الخليفة المأمون في بغداد، ثم ولاه قضاء البصرة.
وابن خلكان يروي لنا أنه اتصل بالمأمون، وبعد أن امتحنه وعرف فضله ولاه القضاء، فهل يمكن التوفيق بين روايتيهما؟
يخيل إلينا أن كلتا الروايتين صحيحة، خصوصا إذا ذكرنا ما رواه ابن طيفور من أن ثمامة كان سبب يحيى بن أكثم في قضاء البصرة مرتين؛ إذ يمكن أن تكون توليته قضاء البصرة في المرة الأولى كانت عن طريق اتصاله بالحسن بن سهل، وأن توليته في المرة الثانية كانت عن طريق اتصاله بالخليفة المأمون، وأن ما ذكره ابن خلكان في تاريخه من استصغار أهل البصرة له ثم احتجاجه عليهم بما فعله النبي
صلى الله عليه وسلم
وبما فعله عمر رضي الله عنه كان في المرة الأولى.
وبهذا التحليل نستطيع أن نفهم ما يذكره المؤرخون من أنه عزل من قضاء البصرة لأمره بتعذيب خادم بالقصب بعد تكشيفه حتى قطعت خصيته، ثم ما يذكرونه من أنه عزل لقوله أبياتا من الشعر تغزلا في ابني مسعدة، وكانا على نهاية الجمال.
ومهما يكن من شيء فنحن نرجح أنه تولى قضاء البصرة مرتين: الأولى عن طريق الحسن بن سهل، ثم عزل لأحد السببين المذكورين أو غيرهما مما لا نقطع به، والثانية عن طريق المأمون.
بقى شيء آخر فيما يرويه ابن خلكان نريد أن نلفت النظر إليه، فقد يكون فيه شيء من التناقض أو السهو؛ ذلك بأنه يروي لنا أن يحيى حين ولي قضاء البصرة كانت سنه نحو عشرين سنة، وأن أهل البصرة استصغروه فاحتج عليهم بما فعله النبي وعمر، وسواء أكانت توليته عن طريق الحسن بن سهل أم عن طريق المأمون فهي لا تعدو أوائل القرن الثالث الهجري، ثم يذكر بعد ذلك أنه توفي بالربذة سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقبل غرة ثلاث وأربعين وعمره ثلاث وثمانون سنة، إذ مهما بالغنا في سنه متمشين مع رواية ابن خلكان، نقلا عن تاريخ بغداد، من أنه تولى قضاء البصرة وسنه نحو العشرين، فلن نعدو به الستين إلا قليلا، فكيف يمكن التوفيق بين هذا وبين ما يقوله ابن خلكان من أنه توفي وعمره ثلاث وثمانون سنة، ولو فرضنا صحة ما يقوله ابن خلكان في عمره حين الوفاة، وفرضنا أيضا صحة ما نقله عن تاريخ بغداد من أنه تولى قضاء البصرة وسنه نحو العشرين؛ لكانت توليته قضاء البصرة في النصف الأول من عهد الرشيد لا في عهد المأمون، وهو خلاف المجمع عليه وخلاف ما ينقله هو أيضا من أن توليته البصرة كانت سنة اثنتين ومائتين.