وكان لظرفه وفطنته وبصره بالأمور موضعا لرضا المأمون وعطفه عليه، ويظهر أن علاقته بالمأمون وثقته به وملء يديه منه جعلته لا يتحرز في كلامه كثيرا، فكان يسقط السقطة بعد السقطة حتى أتلف نفسه في بعض سقطاته، فقد حكي أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود والعنبر، فإذا تبخر أمر بإخراج المجمرة ووضعها تحت الرجل من جلسائه إكراما له، وحضر أحمد بن يوسف وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع المجمرة تحت أحمد بن يوسف، فقال: هانوا ذا المروءة! فقال المأمون: ألنا يقال هذا ونحن نصل رجلا واحدا من خدمنا بستة آلاف دينار؟ إنما قصدنا إكرامك وأن أكون أنا وأنت قد اقتسمنا بخورا واحدا، يحضر عنبر! فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، وأمر أن تطرح القطعة في المجمرة يتبخر بها أحمد بن يوسف، ويدخل رأسه في زيقه حتى ينفد بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة وهو يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه، واعتل ومات سنة 213، وقيل: سنة 214ه.
وكانت له جارية يقال لها: نسيم، لها من قلبه مكان خطير، فقالت ترثيه:
ولو أن ميتا هابه الموت قبله
لما جاءه المقدار وهو هيوب
ولو أن حيا قبله هابه الردى
إذن لم يكن للأرض فيه نصيب
وقالت أيضا ترثيه:
نفسي فداؤك لو بالناس كلهم
ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا
وللورى موتة في الدهر واحدة
ولي من الهم والأحزان موتات (6) يحيى بن أكثم القاضي
هو أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن ينتهي نسبه إلى أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب المعروف.
عرف التاريخ يحيى بن أكثم حدثا في مجلس سفيان بن عيينة، المعروف بعلمه وورعه ونفوذه؛ إذ يقول ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان»: ورأيت في بعض المجاميع أن سفيان خرج يوما إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست صخرة بن سعيد، وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار، وجالس هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وجالست الزهري وجالس هو أنس بن مالك، حتى عد جماعة، ثم أنا أجالسكم، فقال له حدث في المجلس: انتصف يا أبا محمد، قال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله بك أشد من شقائك بنا! فأطرق سفيان وأنشد قول أبي نواس:
خل جنبيك لرام
وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير
لك من داء الكلام
إنما السالم من أل
جم فاه بلجام
فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم التميمي، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، يعني السلاطين. ا.ه.
هذا كل ما نعلمه عن حداثة يحيى بن أكثم، وهي حداثة تبشر بما سيكون لهذا الناشئ من مكانة ونفوذ جديرين بما وهبه الله من ذكاء وسرعة خاطر، وقوة قلب وسلاطة لسان. تلك المخايل كانت واضحة فيه، وقد جعلته حديث حاضري مجلس سفيان، وحملت سفيان على أن يقول عنه: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء - مشيرا إلى ولاة الأحكام.
لقد صدقت الأيام حدس سفيان فيه، فقد انخرط يحيى في سلك القضاة صغيرا لنجابته، ثم درج في مناصب القضاء حتى تبوأ أسمى مناصب الدولة؛ تبوأ منصب قاضي القضاة، ومنصب الوزارة للمأمون، منظورا إليه في كل ما تولاه من المناصب بالتجلة والإكبار من الخاصة والعامة.
ونحن ذاكرون لك حياته وما تولاه من مناصب ومكانته العلمية والأدبية، وما كان متصفا به من الحزم وحسن السياسة، وأقوال الناس فيه وفي أخلاقه، ووجهة نظر كل فريق من الناس فيه، معتمدين في ذلك على ما بين أيدينا من مصادر تاريخية وأدبية، منبهين على ما يمكن أن يقع بينهما من خلاف كثير أو قليل.
أول عمل تولاه
أما أول عمل تولاه فيحدثنا عنه ابن طيفور بقوله: «قال: حدثني أحمد بن صالح الأضجم، قال: هل تدري ما كان سبب يحيى بن أكثم؟ قلت: لا، وإني أحب أن أعرفه، قال: يحيى بن خاقان هو وصله بالحسن بن سهل وقربه من قلبه وكثره في صدره حتى ولاه قضاء البصرة، ثم استوزره المأمون فغلب عليه، وحدثني عبد الله بن أبي مروان الفارسي قال: كان ثمامة سبب يحيى بن أكثم في قضاء البصرة مرتين، وسبب تخلصه من الخادم الذي أمر بتكشيفه بالبصرة، ويقال: إنه قطع خصيته في تعذيبه بالقصب.» ا.ه.