تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، وكتبه بالقرآن؛ لبعث فيكم نبي نقمة، وأنزل عليكم قرآن غدر، وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوئ السفل، ومساوئهم فضائح الأمم»، وقال يهجوهم:

أبني سعيد إنكم من معشر

لا تحسنون كرامة الأضياف

قوم لباهلة بن أعصر إن همو

فخروا حسبتهمو لعبد مناف

مطلوا الغداء إلى العشاء وقربوا

زادا لعمر أبيك ليس بكاف

بينا أتاك أتاهم كبراؤهم

يلحون في التبذير والإسراف

وكأنني لما حططت إليهمو

رحلي حططت بأبرق العزاف

أخلاقه وسيرته

كان أحمد بن يوسف فطنا بصيرا بأدوات الملك وآداب السلاطين، ذكيا سريع الخاطر ذا مروءة وكرم، وكان مع ذلك يضرب في المجون واللهو بسهم، ومما يدل على عظيم مروءته ما قاله عبد الله بن طاهر حين خرج من بغداد إلى خراسان لابنه محمد، وما وقع بين محمد هذا وبينه بعد ذلك، قال عبد الله لابنه: إن عاشرت أحدا بمدينة السلام فعليك بأحمد بن يوسف الكاتب؛ فإن له مروءة. فما عرج محمد حين انصرف من توديع أبيه على شيء حتى هجم على أحمد بن يوسف في داره، فأطال عنده، ففطن له أحمد فقال: يا جارية، غدينا. فأحضرت طبقا وأرغفة نقية، وقدمت ألوانا يسيرة وحلاوة، وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في زجاج فاخر وآنية حسنة وقال: يتناول الأمير من أيها شاء، ثم قال: إن رأى الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد فأنعم بذلك. فنهض وهو متعجب من وصف أبيه له، وأراد فضيحته، فلم يترك قائدا جليلا ولا رجلا مذكورا من أصحابه إلا عرفهم أنه في دعوة أحمد بن يوسف، وأمرهم بالغدو معه، فلما أصبحوا قصدوا دار أحمد بن يوسف وقد أخذ أهبته وأظهر مروءته، فرأى محمد من النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما أدهشه، ونصب ثلاثمائة مائدة وقد حفت بثلاثمائة وصيفة، ونقل إلى كل مائدة ثلاثمائة لون في صحاف الذهب والفضة ومثارد الصين، فلما رفعت الموائد قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب؟ فنظروا فإذا جميع من بالباب قد نصبت لهم الموائد فأكلوا، فقال: شتان بين يوميك يا أبا الحسن! «كذا في هذه الرواية كناه بأبي الحسن» فقال: أيها الأمير، ذاك قوتي، وهذه مروءتي!

أما اللهو والمجون فقد كان حظه منهما غير قليل، وحسبنا أن نذكر ما قاله الحسن بن سهل حين شاوره المأمون فيمن يختاره بعد أحمد بن أبي خالد، فأشار عليه بأحمد بن يوسف وبأبي عباد ثابت بن يحيى الرازي، فقال له: اختر لي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد وجفا لذاته قليلا فهو أحبهما إلي.

ولقد كان به ما كان ببعض معاصريه من الكتب والشعراء والأدباء من ميل إلى الغلمان ...! لذلك لم يكن غزله بريئا، ولم يعالجه على أنه فن من فنون الشعر، وإنما كان غزله يترجم ترجمة صادقة عن شعوره ونوازع نفسه؛ فإنك لا تستطيع أن تسمع ما كان بينه وبين موسى بن عبد الملك ثم تحكم له بأنه اصطنع الغزل فنا من فنون الشعر، فقد كان موسى هذا في ناحيته، وهو الذي قدمه وخرجه، وكان يرمى بما كان يرمى به مما نمسك عن ذكره.

حدث موسى نفسه فقال: وهب لي أحمد بن يوسف ألف ألف درهم في مرات. وقد لامه محمد بن الجهم على تقديمه موسى بن عبد الملك على صباه، فكتب إليه أحمد بن يوسف شعرا يلتمس إليه فيه أن يكف عن عذله، وقد أمسكنا عن ذكره أيضا لما فيه من مجون.

ومن غزله ما قاله في محمد بن سعيد بن حماد الكاتب - وكان يميل إليه وقيل عنه: إنه كان صبيا مليحا:

صد عني محمد بن سعيد

أحسن العالمين ثاني جيد

صد عني لغير جرم إليه

ليس إلا لحسنه في الصدود

وكان محمد بن سعيد يكتب بين يديه، فنظر إلى عارضه قد اختط في خده، فأخذ رقعة وكتب فيها:

لحاك الله من شعر وزادا

كما ألبست عارضه الحدادا

أغرت على تورد وجنتيه

فصيرت احمرارهما سوادا

ورمى بها إلى محمد بن سعيد فكتب مجيبا: عظم الله أجرك في يا سيدي، وأحسن لك العوض مني!

عصر المأمون · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٨٧