تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح

ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت في ذات الله، وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده، فالأرض بأكنافها أوطأ مهاد لطاعته، وأتبع شيء لمشيئته، وقد وجهت إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين بحقه، والكائد له من خان عهده ونكث عقده، حتى رد الألفة، وأقام به الشريعة. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

قيل: فرضي طاهر ذلك وأنفذه، ووصل أحمد بن يوسف وقدمه.

وقيل: إن المأمون لما حمل رأس المخلوع إليه وهو بمرو، أمر بإنشاء كتاب عن طاهر بن الحسين ليقرأ على الناس، فكتبت عدة كتب لم يرضها المأمون ولا الفضل بن سهل، فكتب أحمد بن يوسف هذا الكتاب، فلما عرضت النسخة على ذي الرياستين رجع نظره فيها، ثم قال لأحمد بن يوسف: ما أنصفناك، ودعا بقهرمانه، وأخذ القلم والقرطاس، وأقبل يكتب بما يفرغ له من المنازل ويعد له فيها من الفرش والآلات والكسوة والكراع وغير ذلك، ثم طرح الرقعة إلى أحمد بن يوسف وقال له: إذا كان في غد فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين يديك واكتب إلى الآفاق.

قيل: ومما كتبه للمأمون حين كثر الطلاب للصلات ببابه: «داعي نداك يا أمير المؤمنين، ومنادي جدواك جمعا الوفود ببابك يرجون نائلك المعهود، فمنهم من يمت بحرمة، ومنهم من يدل بخدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقق حسن ظنهم بطوله، فعل إن شاء الله تعالى»، فوقع المأمون: «الخير متبع، وأبواب الملوك مغان لطالبي الحاجات، ومواطن لهم؛ ولذلك قال الشاعر:

يسقط الطير حيث يلتقط الح

ب وتغشى منازل الكرماء

فاكتب أسماء من ببابنا منهم، واحك مراتبهم، ليصل إلى كل رجل قدر استحقاقه، ولا تكدر معروفنا عندهم بطول الحجاب وتأخير الثواب؛ فقد قال الشاعر:

فإنك لن ترى طردا لحر

كإلصاق به طرف الهوان.»

وقال إبراهيم بن العباس: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرني المأمون أن أكتب إلى النواحي في الاستكثار من القناديل في المسجد، فبت لا أدري كيف أفتتح الكلام، ولا كيف آخذ به، فأتى آت في منامي فقال: قل: فإن في ذلك أنسا للسابلة، وإضاءة للمتهجدة، ونفيا لمكامن الريب، وتنزيها لبيوت الله عن وحشة الظلم. فانتبهت وقد انفتح لي ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه.

ومن رسائله أيضا: «لقد أحلك الله في الشرف أعلى ذروته، وبلغك من الفضل أبعد غايته، فالآمال إليك مصروفة، والأعناق إليك معطوفة، عندك تنتهي الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة، وبك تثنى الخناصر، وتستفتح أغلاق المطالب، ولا يستريث النجح من رجالك، ولا تعروه النوائب في دارك.» وإنا نحيلك على ما أثبتناه لك في المجلد الثالث من آثاره الممتعة.

شعره

كان أحمد بن يوسف شاعرا معرقا في الشعر كما كان معرقا في الكتابة، إلا أن حظه من الشعر كان دون حظه من الكتابة، فإن نقاد عصره لم يقدموا عليه أحدا في الكتابة من كتاب بني العباس ووزرائهم، وقد قدموا عليه كثيرا في الشعر، وقد ذكرنا - فيما سبق من ترجمته - إجماع فريق من الكتاب على سبقه في الكتابة دون الشعر. وقد روى الصولي، بسنده، أن قعنب بن محرز الباهلي قال: كنا نقول لم يل الوزارة أشعر من أحمد بن يوسف، حتى ولي محمد بن عبد الملك فكان أشعر منه.

ولم يكن المدح كثيرا في شعر أحمد بن يوسف؛ فإنه كان بحكم مركزه كوزير للمأمون ورئيس ديوان رسائله غير محتاج إلى أن يتكسب بشعره أو يمدح الناس، ولذلك لا نرى في شعره مدحا لغير المأمون وليه ورب نعمته، وكذلك كان هجاؤه قليلا؛ فإن مروءته وأدبه ومركزه واعتداده بنفسه كل ذلك كان يرفعه عن أن يكون هجاء مقذعا، وإنما كان يضطر أحيانا إلى ذم أعدائه ومنافسيه في غير إقذاع ولا فحش، فمن ذلك قوله في سعيد بن سالم الباهلي وولده وقد كانت بينهم وبينه عداوة، فذكرهم يوما فقال: «لولا أن الله عز وجل ختم رسالته بمحمد

عصر المأمون · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٨٦