هذا كتاب أدب ومحنه
وهو الذي يدعى كليله دمنه
فيه احتيالات وفيه رشد
وهو كتاب وضعته الهند
وقد أبادت الأيام هذا الكتاب كما أبادت كثيرا غيره من الكتب العربية القيمة، حتى يئس الأدباء والمؤرخون في العصر الحديث من العثور على شيء منه، وقد يكون من حسن الحظ أن نعلن سرورنا بأنا قد وفقنا إلى جزء كبير من هذا الكتاب، في جزء أو أوراق من جزء من كتاب الأوراق المنسوب للصولي؛ إذ عثرنا عليه بدار الكتب المصرية منذ أمد طويل حينما كنا نبحث فيها عما وضعه العرب من الموسوعات والمعلمات، وسنذكر في المجلد الثاني ما وجدناه فيه.
ويحدثنا أبو الفرج بأنه عمل أيضا القصيدة التي ذكر فيها مبدأ الخلق وأمر الدنيا وشيئا من المنطق، وسماها «ذات الحلل»، ومن الناس من ينسبها إلى أبي العتاهية، والصحيح أنها لأبان، وسياق أبي الفرج هذا لا يدع سبيلا إلى الشك في وجود هذه القصيدة، ومع الأسف لم ينقل إلينا منها شيئا.
ويحدثنا الصولي، بسنده، أن أبانا لما عمل كتاب كليلة ودمنة شعرا، في قصيدته المزدوجة، أعطاه البرامكة على ذلك مالا عظيما، فقيل له بعد ذلك: ألا تعمل شعرا في الزهد؟ فعمل قصيدة مزدوجة في الصيام والزكاة، وقد وجدت هذه القصيدة، وترجمتها «قصيدة الصيام والزكاة نقل أبان من فم الرواة» ثم ذكر القصيدة، وقد نشرنا ذلك كله في موضعه من المجلد الثاني. (5) أحمد بن يوسف الكاتب
هو أبو جعفر أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب من أهل الكوفة ومن موالي بني عجل، كان مذهبه الرسائل والإنشاء، وزره المأمون بعد أحمد بن أبي خالد، فقد كان يتولى ديوان الرسائل له، وكان معروفا بين أهل عصره بسمو المكانة في العلم والأدب والكتابة والشعر، حكى عن المأمون وعبد الحميد بن يحيى الكاتب، وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد بن يوسف وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما.
كتابته
أما مكانته في الكتابة فرسائله وتوقيعاته التي تحلت بها صدور الأدب، وتزينت بها كتب التاريخ تجعله في مقدمة الكتاب ومن أئمتهم، وهي بما فيها من جودة وإحكام، وتخير للألفاظ، وسلاسة في المعاني، تدل على أنه كان خصيب النفس، سريع الخاطر، وعلى أنه مالك أعنة المعاني، ونواصي الكلام، ولقد شهد له بالسبق في الكتابة والرسائل كبار رجال عصره ومن جاء بعده.
قال الصولي: لما مات أحمد بن أبي خالد الأحول شاور المأمون الحسن بن سهل فيمن يكتب له ويقوم مقامه، فأشار عليه بأحمد بن يوسف، وبأبي عباد ثابت بن يحيى الرازي، وقال: هما أعلم الناس بأخلاق أمير المؤمنين وخدمته وما يرضيه، فقال له: اختر لي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد على الخدمة، وجفا لذته قليلا، فهو أحبهما إلي؛ لأنه أعرف في الكتابة، وأحسنهما بلاغة، وأكثر علما، فاستكتبه المأمون.
وروى الصولي، بسنده، أن الكتاب اجتمعوا عند أحمد بن إسرائيل، فذكروا الماضين من الكتاب، فأجمعوا أن أكتب من كان في دولة بني العباس أحمد بن يوسف، وإبراهيم بن العباس، وأن أشعر كتاب دولتهم: إبراهيم بن العباس، ومحمد بن عبد الملك الزيات، فإبراهيم أجودهما شعرا، ومحمد أكثرهما شعرا، ثم الحسن بن وهب وأحمد بن يوسف.
فأنت ترى، أعزك الله، أن هؤلاء الكتاب لم يقدموا أحدا من كتاب دولة بني العباس على أحمد بن يوسف في الكتابة، وإن قدموا عليه في الشعر. والحق أن نبوغه في الكتابة هو الذي كان سببا إلى ظهوره ورفعته، فقد روى العلماء أنه لما قتل الأمين أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا، فقال طاهر: أريد أقصر من هذا! فوصف له أحمد بن يوسف، فأحضره لذلك، فكتب:
أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق حكم الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن إجماع المسلمين، قال الله عز وجل لنوح عليه السلام في ابنه: