لا در در أبان
ونحن حضر رواق ال
أمير بالنهروان
حتى إذا ما صلاة ال
أولى دنت لأوان
فقام منذر ربي
بالبر والإحسان
فكلما قال قلنا
إلى انقضاء الأذان
فقال كيف شهدتم
بذا بغير عيان
لا أشهد الدهر حتى
تعاين العينان
فقلت: سبحان ربي
فقال: سبحان ماني
2
وبقية القصيدة في ديوان أبي نواس.
فقال أبان يجيبه:
أن يكن هذا النوا
سي بلا ذنب هجانا
فلقد ... حينا
وصفعناه زمانا
هانئ الجون أبوه
زاده الله هوانا
سائل العباس واسمع
فيه من أمك شانا
عجنوا من جلنار
ليكيدوك عجانا
وجلنار هذه هي أم أبي نواس، كان قد تزوجها العباس بعد أبيه، وربما كان لباعث هذه المهاترة بين أبي نواس وأبان أثر كبير فيما كان بين أبي نواس والبرامكة من كراهية وبغضاء، فإن أبا نواس كان معروفا بسمو المكانة في الشعر، فلا يستطيع مثل أبان أن ينزله عن منزلته التي هو جدير بها، إلا إذا كان في ذلك هوى للبرامكة، وقد يكون بوحي منهم، لكن أبا نواس لم يجد مصدرا للحكم غير أبان فهجاه، ولم يكن هجوه أبانا ليشفي غليله، وإنما يشفي غليله لو استطاع أن ينال بالهجو من يراهم خليقين بهجوه، وهم البرامكة، ولكنه لا يستطيع أن ينالهم بالهجو وهم أصحاب الدولة والسلطان.
كان أبان شديد الإعجاب بنفسه، مدلا بعلمه وأدبه، والقصيدة التي قدمها للبرامكة حين حاول أن يتصل بهم، على زعم أن يكون له شفيع من ترغيبهم فيه، تعطينا صورة واضحة عنه. وهذه هي القصيدة:
أنا من بغية الأمير وكنز
من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب خطيب أديب
ناصح زائد على النصاح
شاعر مفلق أخف من الري
شة مما يكون تحت الجناح
لي في النحو فطنة واتقاد
أنا فيه قلادة بوشاح
ثم أروى من ابن سيرين للعل
م بقول منور الإفصاح
ثم أروى من ابن سيرين للشع
ر وقول النسيب والأمداح
وظريف الحديث في كل فن
وبصير بترهات الملاح
كم وكم قد خبأت عندي حديثا
هو عند الملوك كالتفاح
فبمثلي تخلو الملوك وتلهو
وتناجي في المشكل الفداح
أيمن الناس طائرا يوم صيد
لغدو دعيت أو لرواح
أبصر الناس بالجواهر والخي
ل وبالخرد الحسان الصباح
كل ذا قد جمعت والحمد لله
على أنني ظريف المزاح
لست بالناسك المشمر ثوبي
ه ولا الماجن الخليع الوقاح
لو رمى بي الأمير أصلحه الله
رماحا ثلمت حد الرماح
ما أنا واهن ولا مستكين
لسوى أمر سيدي ذي السماح
لست بالضخم يا أميري ولا القز
م ولا بالمجحدر الدحداح
لحية جعدة ووجه صبيح
واتقاد كشعلة المصباح
إن دعاني الأمير عاين مني
شمريا كالبلبل الصياح
على أن أبانا مع إعجابه بنفسه وإدلاله بعلمه وأدبه لم يكن في مقدوره أن يساير كبار معاصريه من الشعراء؛ كأبي نواس وأضرابه في قوة الشعر، واختلاف فنونه، وحسن لفظه، ورقة معانيه.
ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان ينقصه خصب النفس، وقوة الحس، والخيال المبدع للصور الشعرية، أي قوة الابتكار والاختراع، فإن هذه القوى جميعا لا بد منها للشاعر لكي يحس وينتزع ويصور، وهذا يفضي بنا إلى إحدى نتيجتين: إما أن نشك فيما وصف به نفسه من جمال الظرف، وخفة الروح، واتقاد الذهن، نشك في اتصافه حقا بهذه الصفات، التي تملأ النفس شعورا بما في الحياة من صور للشعر، وإما أنه كان قصير الباع في تصوير ما تحسه نفسه، وكلا الأمرين يبعد البون بينه وبين أبي نواس وأضراب أبي نواس، ولئن نقصته القوى التي تمده بالصور الشعرية، فقد وفق إلى فن جديد نحسب أنه لم يسبق إليه، وهذا الفن لا يضطره إلى كد القريحة وإعمال الفكر في تصيد المعاني الجميلة، وإبرازها في أثواب زاهية جذابة؛ بل لا يحتاج معه إلى أكثر من أن تكون لديه ملكة النظم ووزن الكلام؛ إذ المعاني بين يديه لا يتكلف في سبيلها سعيا، أو كد قريحة، وهذا الفن الجديد هو النظم التعليمي، وهو أن يعمد الشاعر إلى كتاب معروف منثور فينظمه، أو إلى قواعد عامة في الشريعة أو في اللغة أو في فرع من فروعهما، فينظمها أيضا، ليسهل حفظها ويقرب تناولها، وهذا ما فعله أبان وما جعلنا نؤثره بالكلام، فإن هذا النوع من النظم يمثل ناحية طريفة من نواحي الأدب الجديدة في عصرنا المأموني، فقد نكون مقصرين كل التقصير، إذا أغفلنا ذكر مبدعه ومبتكره، نقول: «وهذا ما فعله أبان» فإن الصولي وأبا الفرج الأصفهاني يحدثاننا بأن أبانا نظم للبرامكة كتاب كليلة ودمنة، ليسهل عليهم حفظه، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل بن يحيى خمسة آلاف دينار، ولم يعطه جعفر شيئا وقال له: يكفيك أن أحفظه فأكون راويتك، وقد نقل الأصفهاني من هذا الكتاب بيتين هما: