تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما قاله أبو الحسن الخياط فيما يفند به هجمات ابن الراوندي: «وأما رميك للجاحظ ببغض الرسول

صلى الله عليه وسلم ، فهو دليل على أنك لا تعرف المحب من المبغض، ولا الولي من العدو؛ لأنه لا يعرف المتكلمون أحدا منهم نصر الرسالة واحتج للنبوة بلغ في ذلك ما بلغه الجاحظ، ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد

صلى الله عليه وسلم

على نبوته غير كتاب الجاحظ، وهذه كتبه في إثبات الرسالة، وكتبه في تصحيح مجيء الأخبار مشهورة، وهل يستدل على حب الرسول

صلى الله عليه وسلم

والإيمان به وتصديقه فيما جاء به بشيء أوكد مما يستدل به على حب الجاحظ الرسول وتصديقه إياه!»

وقد تناول كبار المؤلفين من العرب؛ كابن قتيبة، والأزهري، والمسعودي، والبديع الهمذاني، وأبي العباس أحمد بن يحيى، وأبي العباس محمد بن يزيد المبرد ، والفتح بن خاقان، والرئيس أبي الفضل بن العميد وغيرهم شخصية الجاحظ بما تستحقه من العناية والدرس، ومن النقد والتقريظ مما لا نثبته لك هنا مخافة الإطالة والملل، فلتراجع في مظانها ومواضعها.

علمه

يقول صاحب المعجم: «كان الجاحظ من الذكاء وسرعة الخاطر والحفظ بحيث شاع ذكره، وعلا قدره، واستغنى عن الوصف»، وقال غيره: إنه كان واسع العلم بفنون الكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا، ولا غرو فإن مؤلفاته العديدة تشهد بأنه كان واسع الاطلاع حقا، غزير المادة، خصب الذهن، كثير المحصول العقلي، وقد أكثر التصنيف في الأدب واللطائف والفكاهات، وأتيح له أن يكون من أئمة الدين وكبار السمار.

ويقول الفتح بن خاقان في كتاب له إلى الجاحظ: «إن أمير المؤمنين يجد بك، ويهش عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه، لعلمك ومعرفتك، لحال بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه، ولقد كان ألقى إلي من هذا عنوانه، فزدتك في نفسه زيادة كف بها عن تجشيمك، فاعرف لي هذه الحال، واعتقد هذه المنة على كتاب «الرد على النصارى»، وافرغ منه وعجل به إلي، وكن ممن جدا به على نفسه، وتنال مشاهرتك، وقد استطلقته لما مضى، واستسلفت لك لسنة كاملة مستقبلة، وهذا مما لم تحتكم به نفسك، وقد قرأت رسالتك في «بصيرة غنام»، ولولا أني أزيد في مخيلتك لعرفتك ما يعتريني عند قراءتها. والسلام.»

رسائله

للجاحظ كثير من قصار الرسائل وطوالها، منها: أنه كتب إلى عبد الله بن خاقان في يوم عيد: «أخرتني العلة عن الوزير، أعزه الله، فحضرت بالدعاء في كتابي لينوب عني، ويعمر ما أخلفت العوائق مني، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحب ويحب له، ويقبل منا ما نتوسل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه على الإحسان منه، ويمتعه بصحة النعمة ولباس العافية، ولا يريه في مسرة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلني من كل سوء فداءه، فيصرف عيون الغير عنه وعن حظي منه».

وكتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات يستعطفه: «أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة، فقد خفت، أيدك الله، أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة الحكماء.

وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

وإن امرأ أمسى وأصبح سالما

من الناس إلا ما جنى لسعيد

وقال الآخر:

ومن دعا الناس إلى ذمه

ذموه بالحق وبالباطل

فإن كنت اجترأت عليك، أصلحك الله، فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤيس من المكافأة، ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرا لي منك! أرهبني فاتقاني، وأعطاني فأغناني، فإن كنت لا تهب عقابي، أيدك الله، لخدمة سلفت لي عندك، فهبه لأياديك عندي، فإن النعمة تشفع في النقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك، فعد إلى حسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فائت ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، هجمت عليه بالعقوبة.

عصر المأمون · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٨١