نشأته
هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ، ولم تكن أسرته برفيعة القدر ولا سامية المكانة، بل على النقيض كانت خدما وخولا لمولاهم أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني ثم الفقيمي النساب، وقد قيل: إن فزارا جد الجاحظ كان جمالا، وإن الجاحظ نفسه كان يبيع الخبز والسمك بسيحان.
قال الجاحظ: أنا أسن من أبي نواس بسنة، ولدت في أول سنة 150ه وولد في آخرها، وانكب الجاحظ على العلم منذ طفولته انكبابا عظيما، وشغف بالمطالعة والقراءة، وعكف على الدرس والحفظ، وقد قال عنه أبو هفان أحد معاصريه: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت للنظر فيها، ثم ثنى أبو هفان بالفتح بن خاقان، وذكر بعده إسماعيل بن إسحاق القاضي.
سمع الجاحظ من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن صديقه أبي الحسن الأخفش، وأخذ الحديث عن يزيد بن هارون والسري بن عبدويه وأبي يوسف القاضي والحجاج بن محمد بن حماد بن سلمة، والكلام عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي النابه الذكر، وبه تأثر وعليه تخرج في مذهبه في الكلام والاعتزال.
وإذ كانت ميوله إلى الاطلاع واستيعاب ما يقع تحت يديه من المؤلفات على ما وصفنا، وكان قصاري همه، في مغداته ومراحته وبكوره وآصاله، أن يحفظ كتابا أو يفهم بابا، وكان العصر الذي فيه درج ونما على ما علمت من غزارة المادة، وتعدد التآليف، وازدحام المعارف، ووفرة مختلف الثقافات، فلا غرو إذا أخبرنا الجاحظ عن نفسه بقوله: «لقد نسيت كنيتي، لقد تغيبت ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟ فقالوا: بأبي عثمان.» ولا غرو إذا كان الجاحظ قد اتصل بكثير من علماء ونوابغ عصره وشهيري الكتاب والمترجمين من فرس وسريان، فتأثر بلا ريب ذكاؤه بهذا الاختلاط، وطالع جماع ما ترجم في أزمان المنصور والرشيد والمأمون، فما كان يقع بيده كتاب إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر، كما قلنا آنفا، فكان لذلك من نوابغ العالم.
وغلب عليه أمران اثنان: الكلام على طريقة المعتزلة، والأدب ممزوجا بالفلسفة والفكاهة.
ولقد قضى عامة عمره بالبصره موفور الكرامة، محبوا من خلائق الله سيما رؤساء الموالي وأعيان الهاشمية والعثمانية بالعطايا والمنح، لما كان يصنفه لهم من الرسائل التي كان يتعمد في كتابتها التشيع لمذهبهم، ومعاضدة مزاعمهم، ونقض أقوال مخالفيهم، وكانت له مهارة في التلاعب بعقولهم، وابتزاز أموالهم، واقتدار على التعبير في كل ما يعالجه، وفي كل موقف، وكان يحج كثيرا إلى بغداد في أواخر عصر المأمون وغيره، فكان المأمون يرفده، ثم انقطع إلى الانتجاع إلى محمد بن الزيات طوال وزاراته الثلاث، ثم أقام بعد موت ابن الزيات بالبصرة حتى أصيب بالفالج، فبقى مفلوجا حتى أسلم الروح.
ذكاؤه وخلقه
كان له حظ كبير وقسط وفير من الذكاء ورقة الشعور، ودقة العاطفة، وله في ذلك نوادر هي من خوارق الطبيعة، وكان غريب الأطوار، به شذوذ في أحواله وأطواره ؛ ذلك لأنه كان يجمع بين الجد والفكاهة، حاضر النكتة، حاضر البديهة، سريع الخاطر، وكانت به دعابة وتظرف وتماجن، وكان لا يحتفل لما يأخذ الناس به أنفسهم وما يتواضعون عليه من العادات والرسوم وأنواع العصبية والمذهبية والجنسية، وكان كريم الأخلاق، كريم اليد، سخيا سمحا، ولطيف المحضر، خفيف الروح، وكان على ما به من دمامة غاية في الظرف وحلاوة اللفظ، وهو من أجل ذلك كان يجمع بين الضدين.
اعتقاده ومذهبه
قلنا: إنه تخرج على أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، زعيم الفرقة التي تنسب إليه من المعتزلة، وكان يلازم أستاذه هذا ويتوفر على دروسه، فمن أجل ذلك كان الجاحظ معتزليا، وزعيم الفرقة الجاحظية في الاعتزال، وقد انتفع بمواهبه وما حباه الله من فصاحة الكلام وطلاقة اللسان وحسن البيان في ترويح مذهبه والدعاوة له، فكان لسان المعتزلة الناطق، وسلاحهم القاطع، وبرع في الكلام، وخلطه بالفلسفة اليونانية، ويرميه كثيرون بالضلالة، وأنه ماجن مهذار، متناقض نقال، يتلاعب بالناس، وينقض اليوم ما بناه أمس، وقد دافع عنه أبو الحسن الخياط في كتابه «الانتصار» على انتقادات ابن الراوندي العنيفة المرة التي تناول فيها عقيدة الجاحظ بالتجريح الشديد.