واعلم، أيدك الله، أن شين غضبك علي كزين صفحك عني، وأن موت ذكري مع انقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم. والسلام.»
وللجاحظ رسائل في الاستعطاف وشكوى الزمان آية في البلاغة أثبتناها في المجلد الثالث من هذا الكتاب.
وقد قال فيه بديع الزمان الهمذاني في المقامة الجاحظية: «إن الجاحظ في أحد شقي البلاغة يقطف، والآخر يقف، والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون للجاحظ شعرا رائقا؟ قلنا: لا، قال: فهلموا إلى كلامه، فهو بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله؛ فهل سمعتم له لفظة مصنوعة أو كلمة غير مسموعة؟»
شعره
قيل: إن للجاحظ شعرا، ولكننا نظرنا فيما ينسبه له يموت بن المزرع وأبو العيناء وأبو الحسن البرمكي وغيرهم فوجدناه أقل طبقة من بلاغته، فمما ينسب إليه قوله:
يطيب العيش أن تلقى حكيما
غذاه العلم والفهم المصيب
فيكشف عنك حيرة كل جهل
وفضل العلم يعرفه اللبيب
سقام الحرص ليس له شفاء
وداء الجهل ليس له طبيب
مصنفاته
صنف الجاحظ أكثر من مائتي كتاب.
قال المسعودي: وكتب الجاحظ مع انحرافه تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أحسن وأجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن كلمة بليغة إلى نادرة طريفة، وله كتب حسان؛ فمنها «البيان والتبيين»، وهو أشرفها لأنه جمع فيه من المنثور والمنظوم، وغرر الأشعار، ومستحسن الأخبار وبليغ الخطب ما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى، و«كتاب الحيوان» و«كتاب الطفيليين» و«كتاب البخلاء»، وسائر كتبه في نهاية الكمال ما لم يقصد منها إلى تصعيب ولا إلى دفع حق، ولا يعلم ممن سلف وخلف أفصح منه.
وقال ابن العميد: كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا.
أخباره
حدثنا أبو معاذ عبد الله الخولي المتطبب قال: دخلنا يوما ب «سر من رأى» على عمرو بن بحر الجاحظ نعوده وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل فيه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل، ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان، أحدهما لو غرز بالمسال ما أحس، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث، وأكثر ما أشكوه الثمانون؟ ثم أنشدنا أبياتا من قصيدة عوف بن محلم الخزاعي، قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفا دخل على عبد الله بن طاهر فسلم عليه عبد الله فلم يسمع، فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة ارتجالا:
يا ابن الذي دان له المشرقان
طرا وقد دان له المغربان
إن الثمانين وبلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنى
وكنت كالصعدة تحت السنان
وبدلتني من زماع الفتى
وهمتي هم الجبان الهدان
وقاربت مني خطى لم تكن
مقاربات وثنت من عنان
وأنشأت بيني وبين الورى
عنانة من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتع
إلا لساني، وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به
على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني، بأبي أنتما،
من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة
أوطانها حران والرقمتان
والجاحظ، أيدك الله، قد جمع إلى مواقفه الكبار في الجدل والتناظر، ومتانة الأسلوب وتدفقه، وسمو المنحى وبلاغته، وقوة اللفظ وفخامته، جنوحا عظيما إلى الدعابة واللطائف والتندر والطرائف، والملح والنخب، والنكت مع الأدب، مع خفة ظل، وظرف روح حبباه إلى النفوس، ومع نباغة وعبقرية جعلتاه فوق الهام والرءوس، وعذوبة عبارة ومائية أسلوب كأنهما الراح في الكئوس.
ومن جملة أخباره أنه قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، فخرجت من عنده فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام، فعرض علي الخروج معه والانحدار في حراقته، وكنا بسر من رأى، فركبنا في الحراقة، فلما انتهينا إلى فم نهر القاطول ضرب ستارا وأمرنا بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت: