تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما تولى الأمين الخلافة عرض جبرائيل على الخليفة أن يكون له خادما، فقبله ورحب به، ولم يكن يأكل شيئا إلا بإذنه، ولما بلغ ذلك المأمون اعتقل جبرائيل، ولم يطلق سراحه حتى شفع فيه الحسن بن سهل، وفي سنة 210ه/826م مرض المأمون مرضا أعجز أطباءه، وكان في مقدمتهم ميخائيل صهر جبرائيل، فأخذ جبرائيل على نفسه شفاء المأمون، وكان موفقا، فلم تمض أيام حتى شفي المأمون، فغمره بنعمائه واتخذه أنيسا ونديما، ولم يقف احترام المأمون لجبرائيل وإكرامه له عند هذا الحد، بل قد عداه إلى غيره من عمال الدولة، فقد أصدر المأمون أمره إلى الموظفين والعمال والقواد بأن يوقروا جبرائيل ويجلوه، وكان الرجل يتدخل في شئون طائفته كلها، حتى الشئون الكنسية، وبتأثيره انتخب البطريرك جيورجيس المعروف بابن الصباغ، فتولى الرياسة الدينية في طائفته وهو في سن الشيخوخة، ولما كانت سنة 213ه/828م مرض جبرائيل، واتفق أن الخليفة المأمون كان في ذلك العهد قد سافر إلى بلاد الروم، فأقعد المرض جبرائيل عن ملازمته، ولكنه أناب عنه ابنه بختيشوع، ولم يرجع المأمون وبختيشوع من رحلتهما حتى كان جبرائيل قد توفي.

فأقيم له مأتم حافل قلما كان لمثله في ذلك العصر، ودفن في مدفن القديس سرجيس بالمدينة، وترك مالا كثيرا، وملكا واسعا، فكانت له ضياع بجنديسابور والسوس والبصرة والسواد، حصل عليها بما ناله من الخلفاء من التخصيصات الجزيلة، والهدايا الكثيرة في المواسم والمعاشات، وله من الكتب رسالة في المطعم والمشرب قدمها إلى المأمون، وكتاب المدخل إلى صناعة المنطق، ورسالة مختصرة في الطب، وهي مختصر تأليف ديروكوريدس وجالينوس وبولس الإيجيني، وله أيضا كتاب في صناعة البخور، وقد نسب إليه السمعاني في مكتبته الشرقية معجما سريانيا على أن هذا مشكوك في روايته. (3) الجاحظ «الكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشي ظرفا، وبستان يحمل في ردن، وروضة تقلب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء، ولا أعلم جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقل جناية، ولا أقل إملالا وإبراما، ولا أقل خلافا وإجراما، ولا أقل غيبة، ولا أبعد من عضيهة،

1

ولا أكثر أعجوبة وتصرفا، ولا أقل صلفا وتكلفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال من كتاب.

ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقل مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا في كل أوان، ولا أوجد في غير إبان من كتاب.

ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان جوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار اللطيفة، ومن الحكم الرقيقة، ومن المذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة، والإخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب.»

بهذا الأسلوب الحسن في منحاه، الناصع البيان في مبناه، الداني القطوف، السديد في منهجه، العذب في مورده، يخاطبنا شيخ الكتاب غير مدافع، والمتفنن في الرسالات غير منازع أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ بعبارات تستساغ في غير مئونة ولا كد ذهن، وتستوعب بلا إرهاق خاطر ولا إعنات روية.

والجاحظ، أيدك الله، ليس وراء كتاباته، كما تعلم، مذهب لمستفيد، ولا مراد لراغب فقرها متناسبة متراصفة، وألفاظها متنخلة متخيرة، وعباراتها مطردة منسجمة، وجملها مما يوطأ له مهاد الطبع، ويرتفع له حجاب السمع، وهي - وأنت جد عليم - من ذلك النوع الذي يدخل الآذان بلا استئذان لمكانها من الألباب، وهو من أجل ذلك يتطلب منا درسا تحليليا مطولا، وليس هذا في مقدورنا لتعدد الموضوعات التي نعالجها، ولأنها تستلزم عناية ببحثها والإشارة إليها، بقدر ما يتطلبه الجاحظ من عناية ودرس، فلنكتف بإلماعة موجزة عن حياة النابغة الفذ الذي تسنم ذروة الكمال، وبلغ غاية النضج في الأدب العربي وفنونه، وكان إلى جانب هذا صاحب مذهب في الاعتزال، هو المذهب الجاحظي، معتمدين فيها على ما كتبه ابن خلكان وصاحب معجم الأدباء ومؤلفات الجاحظ نفسه.

عصر المأمون · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧٩