والله لا فارقه قيده
أو يقطع التقعير من أصله
وفي الختام نرى لزاما في عنقنا أن نحيلك على ما قاله الشعراء وصفا لثورة بغداد وحريقها، وعلى رثائهم للأمين، ونماذج أخرى لمختلف مقولاتهم في مختلف المناحي، وقد نشرنا لك من هذا جملة صالحة في باب المنظوم من الكتاب الثالث من مجلدنا الثالث، فإنها تعطيك صورة صادقة لدرجة الشعر في ذلك العصر، فراجعة ثمة.
| هوامش
الفصل العاشر
| نماذج لبعض الشخصيات البارزة في العصر المأموني
(1) توطئة
أعترف أنه من الصعوبة بمكان أن أختار لك أشخاص هذه النماذج؛ لأن الكثرة من رجالات العصر من النباهة والكفاية بمكان، وقد كان يحلو لي حقا ويسرني أيما سرور لو اتسعت رسالتي للكتابة عن رجالات العصر من وزراء وعلماء وقضاة وشعراء وكتاب وأطباء ومغنين وندماء، بيد أن ذلك يتطلب سعة لا يحتملها هذا المقام.
على أنا قد رأينا أن نكتب لك كلمات مجملة عن «جبرائيل بن بختيشوع» من أطباء العصر، وعن «الجاحظ» من ملوك الكتاب ورؤساء الاعتزال، وعن «أبان اللاحقي» الشاعر وصاحب نظم كليلة ودمنة، وعن «أحمد بن يوسف» الوزير المأموني ومدبج رسالاته، وعن «يحيى بن أكثم» قاضي قضاته، وأخيرا عن «إسحاق بن إبراهيم» وهو مجموعة هؤلاء.
ونعترف لك بأن في كتابنا شيئا من التقصير نحسه، وسببه حاجة هذه الموضوعات إلى الإفاضة في الشرح والبيان، وإلى التحليل والإسهاب مما لا قبل لرسالتنا به.
وبعد، فلنبدأ بهذا النماذج فنقول: (2) جبرائيل بن بختيشوع الطبيب النسطوري
لسنا نريد أن نستطرد في الحديث عن بختيشوع الطبيب الشهير، وإنما نريد أن نلم إلمامة به يتعرف منها القارئ ما كان للرجل من أثر في عصره، فنقول: إن هذه الأسرة هي الأسرة الوحيدة النسطورية التي استقام دور عزها ثلاثة قرون، كان لها خلالها حظ وجاه، وكانت لأفرادها حظوة، فاستعملهم الخلفاء العباسيون، فانتفعوا من الخلفاء، ونفعوا الطب وغير الطب من العلوم بآثارهم ومنتجات عقولهم.
أما هذه التسمية فسريانية، وهي مركبة من لفظتين سريانيتين، بخت ومعناه العبد، ويشوع ومعناه يسوع أي عبد يسوع، وكانت هذه الأسرة من مدينة جنديسابور، وأول من عرفه التاريخ منها هو ديورجيس بن جبرائيل بن بختيشوع، وكان يزاول مهنة الطب فبرع فيها، ونبه ذكره، وأقيم رئيسا لمستشفى مدينته حتى إن أبا جعفر المنصور قد أرسل وفدا من قبله إلى جنديسابور يستدعيه إليه؛ إذ كان قد انتابه مرض فعجزت عن شفائه نطس الأطباء، فتأبى بختيشوع بادئ الرأي حتى اعتقله العامل، ولكن أعيان بلده من مطارنة وقساوسة وغير هؤلاء نصحوا له بأن يمتثل للأمر، فانقاد لنصيحتهم، وولي وجهه شطر دار السلام، ثم كانت له حظوة عند المنصور، وما كنا لنستطرد في الحديث عن هذه الأسرة، وإنما سقنا هذه الكلمة لنأتي على شيء من أخبار أسرة جبرائيل، لنظهر ما لهذا الرجل من المكانة في عالم الطب، وأنه من سلالة كانت تتوارث أخلافها عن أسلافها هذه الصناعة.
نقول: إن جبرائيل هذا قد نبغ على مثال ذويه، وظهرت فيه عوامل الوراثة، فورث عن آبائه الصفات الأدبية، وبرع في صناعة الطب، وكان إلى جانب هذا وديع الخلق، لطيف المحضر، كريم السجايا، عرف في جو الطب سنة 175ه/سنة 791م، ذلك بأن جعفر بن خالد بن برمك بعد أن أبل من مرضة باعتناء بختيشوع، رغب إليه أن يبقى معه طبيبا له، فاعتذر وأناب عنه ابنه جبرائيل هذا، فلقى منه كل رعاية، وكاشفه جعفر بداء خفي كان قد أصابه، فعالجه جبرائيل في ثلاثة أيام، وشفي جعفر، فزادت مكانة جبرائيل عنده وقربه منه، فكان جليسه وكان نديمه، وكان لا يفارقه ساعة واحدة، وحدث أن جارية من جواري هارون الرشيد قد يبست ذراعها، فأبرأها جبرائيل بحيلة لطيفة بعد أن أخفق الأطباء في معالجتها، فحباه بخمسين ألف درهم، وقد عظم شأنه حتى قال الرشيد لأصحابه: كل من كانت له إلي حاجة فليخاطب بها جبرائيل؛ لأني أقبل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني، وكان في صحبة الرشيد أينما حل وحيثما ارتحل، فقد ذهب معه إلى الرقة وصار معه إلى الحجاز.