تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه القصة الآتية طرافة من الفراسة في العصر آثرنا إثباتها لذلك، وهي:

قال أبو السمراء: خرجنا مع الأمير عبد الله بن طاهر متوجهين إلى مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ فيه بقية على بعير له أورق، فسلم علينا فرددنا عليه السلام، قال أبو السمراء: وأنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقي وإسحاق بن أبي ربعي ونحن نساير الأمير، وكنا يومئذ أفره من الأمير دواب، وأجود منه كسا، قال: فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا، قال: فقلت: يا شيخ، قد ألححت في النظر، أعرفت شيئا أم أنكرته؟ قال: لا والله ما عرفتكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتكم لسوء أراه فيكم، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس جيد المعرفة بهم، قال: فأشرت له إلى إسحاق بن أبي ربعي فقلت: ما تقول في هذا؟ فقال:

أرى كاتبا داهي الكتابة بين

عليه وتأديب العراق منير

له حركات قد يشاهدن أنه

عليم بتقسيط الخراج بصير

ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي فقال:

ومظهر نسك ما عليه ضميره

يحب الهدايا بالرجال مكور

أخال به جبنا وبخلا وشيمة

تخبر عنه إنه لوزير

ثم نظر إلي وأنشأ يقول:

وهذا نديم للأمير ومؤنس

يكون له بالقرب منه سرور

وأحسبه للشعر والعلم راويا

فبعض نديم مرة وسمير

ثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول:

وهذا الأمير المرتجى سيب كفه

فما إن له فيمن رأيت نظير

عليه رداء من جمال وهيبة

ووجه بإدراك النجاح بشير

لقد عصم الإسلام منه بذائد

به عاش معروف ومات نكير

ألا إنما عبد الإله بن طاهر

لنا والد بر بنا وأمير

قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه ما قال الشيخ، فأمر له بخمسمائة دينار وأمره أن يصحبه.

هذا، وقد حدث بعضهم قال: احتج أصحاب المأمون عنده يوما فأفاضوا في ذكر الشعر والشعراء، فقال بعضهم: أين أنت يا أمير المؤمنين من مسلم بن الوليد حيث يقول؟ قال: ماذا قال؟ قال: حيث يقول ورثى رجلا:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه

فطيب تراب القبر دل على القبر

وهجا رجلا بقبح الوجه والأخلاق فقال:

قبحت مناظره فحين خبرته

حسنت مناظره لقبح المخبر

ومدح رجلا بالشجاعة فقال:

يجود بالنفس إن ضن الجواد بها

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وتغزل فقال:

هوى يجد وحبيب يلعب

أنت لقى

4

بينهما معذب

ومما كان يستحسنه المأمون من دعبل الحزاعي هجاء المأمون المعروف قوله:

ألم يأن للسفر الذين تحملوا

إلى وطن قبل الممات رجوع

فقلت ولم أملك سوابق عبرة

نطقن بما ضمت عليه ضلوع

تبين فكم دار تفرق شملها

وشمل شتيت عاد وهو جميع

طوال الليالي صرفهن كما ترى

لكل أناس جدبة وربيع

وقد حدث ابن طيفور عن مشيخته أن منصورا النمري والحسن بن هانئ وأبا العتاهية وأبا زغبة

5

اجتمعوا فتذاكروا أبياتا على وزن واحد، ففضل أبو العتاهية عليهم، فقال النمري:

أعمير كيف بحاجة

طلبت إلى صم الصخور

لله در عداتكم

كيف انتسبن إلى الغرور

ولقد تبيت أناملي

يجنين رمان النحور

وقال أبو العتاهية:

لهفي على الزمن القصير

بين الخورنق والسدير

إذ نحن في غرف الجنا

ن نعوم في بحر السرور

وقال الحسن بن هانئ:

وعظتك واعظة القتير

6

وعلتك أبهة الكبير

ورددت ما كنت استعر

ت من الشباب إلى المعير

ولقد تحل بعقوة ال

7

ألباب من بقر القصور

صور إليك مؤنثا

ت الدل في زي الذكور

أرهفن إرهاف الأعن

نة والحمائل والسيور

أصداغهن معقربا

ت والشوارب من عبير

قال المحدث: ولا أحفظ ما قال أبو زغبة، ففضلوا أبا العتاهية، وأبو نواس عندي أشعرهم.

وقد روى ابن طيفور أن عامل أبي دلف قد قصر في أمره، فبعث إليه من عزله وقيده وحبسه، فكتب إلى أبي دلف من السجن كتابا تنطع فيه وقعر وطول، فكتب إليه أبو دلف:

يا صاحب التطويل في كتبه

وصاحب التقصير في فعله

وراكب الغامض من جهله

وتارك الواضح من عقله

لم يحظ من ألزمه قيده

بل صير القيد إلى أهله

قيده للحبس تقعيره

فالقيد لم يخرج من رجله

عصر المأمون · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧٧