تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا يدلنا على أن جماعة قوية يعتد بها في هذا العصر كانت تميل إلى إيثار الشعر القديم وشعر أعراب البادية على الشعر الجديد ورجال الشعر الجديد، وإذا كان هذا حقا كان من الطبيعي أن يعيش الشعراء من الناحية الشعرية في غير عصرهم، وأن يكونوا بأخيلتهم في غير حاضرتهم، لكي يتملقوا الروح الغالبة، ويظفروا برضا العلماء، وقد يكون لهؤلاء العلماء والرواة حظ كبير في صرف أذهان الناس إلى الشعر القديم.

وليس معنى ذلك أن شعر المحدثين لم تكن له مكانة رفيعة عند القوم، بل على النقيض كانت له منزلة رفيعة في النفوس.

لذلك نحن نميل إلى القول بأن خير من يمثل هذا العصر أولئك المجددون الذين لم يتقيدوا ببكاء الأطلال، والحنين إلى الرسوم؛ كأبي نواس وأضراب أبي نواس.

على أنه يجدر بنا أن نورد لك مثلين مما كانوا يتذوقونه في هذا العصر من شعر المحدثين وما قاله أبو دلف ناعيا منهح التقعر، بعد إيرادنا لك ما وعدناك بإيراده من شعر لهذا العصر في شتى الأنحاء.

وقد نشرنا لك في باب المنظوم من الكتاب الثالث من المجلد الثالث أمثلة من شعر هذا العصر، كما نشرنا لك تلك القصيدة التي أنشدها محمد بن عبد الملك للمأمون يحرضه فيها على قتل إبراهيم بن المهدي حين ظفر به، فقال المأمون: لا والله أشمته به، بل أعفو عنه! وانظر إلى مطلع القصيدة تر الفلسفة اليونانية جاثمة فيه:

ألم تر أن الشيء للشيء علة

يكون له كالنار تقدح بالزند

وكان للمأمون جارية تسمى عريب - كانت تعشق جعفر بن حامد - وكان يتعشقها، فلما وجدت من المأمون غفلة وضعت على فراشها مثال رخام يحسب من رآه من بعيد أنها نائمة، وكان جعفر بن حامد قد نزل إلى جانب قصر المأمون، فصعدت إلى السطح ونزلت في زنبيل، فلما قضى نهمته منها قعدت في الزنبيل فصعدت ورجعت إلى مكانها، وطلبها المأمون قبل أن ترجع إلى فراشها فلم يجدها، فعلم إلى أين صارت، فقال أبو موسى حاكيا لهذه القصة:

قاتل الله عريبا

فعلت فعلا عجيبا

ركبت والليل داج

مركبا صعبا مهيبا

فارتقت متصلا بالن

نجم أو منه قريبا

صبرت حتى إذا ما

أقصد النوم الرقيبا

مثلت بين حشايا

ها لكي لا يستريبا

خلفا منها إذا نو

دي لم يلف مجيبا

ومضت يحملها الخو

ف قضيبا وكثيبا

محة لو حركت خف

ت عليها أن تذوبا

فتدلت لمحب

فتلقاها حبيبا

جذلا قد نال بالد

نيا من الدنيا رغيبا

أيها الظبى الذي تس

حر عيناه القلوبا

والذي يأكل بعضا

بعضه حسنا وطيبا

كنت نهبا لذئاب

فلقد أطمعت ذيبا

وكذا الشاة إذا لم

يك راعيها لبيبا

لا يبالي وبأ المر

عى إذا كان خصيبا

ولقد أصبح عبد

الله كشخانا

2

حريبا

قد لعمري لطم الخد

د وقد شق الجيوبا

وجرت منه دموع

بلت الذقن الخضيبا

ومما يعتبر من الهجاء السياسي قصيدة جحشويه الشاعر في يحيى بن أكثم قاضي المأمون بالبصرة، إذ فيه أيضا هجو لآل العباس وخلافتهم، قال:

أنطقنى الدهر بعد إخراس

بحادثات أطلن وسواسي

يا بؤس للدهر لا يزال كما

يرفع ناسا يحط من ناس

لا أفلحت أمة وحق لها

بطول لعن وطول إتعاس

ترضى بيحيى يكون سائسها

وليس يحيى لها بسواس

قاض يرى الحد من الزناء ولا

يرى على من يلوط من باس

يحكم للأمرد الظريف على

مثل جوين ومثل عداس

3

فالحمد لله قد ذهب ال

جود وقل الوفاء في الناس

أميرنا جائر وقاضينا

يلوط والرأس شر ما راس

لو قصد الرأس واستقام لقد

قام على القصد كل مرتاس

ما أحسب الجور ينقضي وعلى ال

ناس أمير من آل عباس

وقد أثبتنا لك في باب المنظوم من الكتاب الثالث في مجلدنا الثالث مثلا آخر من الهجاء قاله بعض الشعراء في يحيى بن أكثم، فراجعه ثمة.

وهناك نوع من الشعر يمثل لك ناحية من نواحي العصبية بين القبائل، وهو إلى حد ما يعتبر من الشعر السياسي، وهذا النوع مثل ما قاله مسلم بن الوليد في هجاء قريش والافتخار بالأنصار، ورد ابن قنبر عليه، وإنا نحيلك على موضع ذلك من مجلدنا الثاني للاطلاع عليه؛ لضيق المقام عن إيراده هنا.

عصر المأمون · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧٦