تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أشرنا في كلمتنا عن حالة الشعر وفنونه في صدر العصر العباسي إلى ما أخذ يتحول هو إليه أيضا تبعا لمقتضيات العصر وظروف الزمان، ومسايرة للحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولما جد على أحوال الناس ومعايشهم من الغنى والترف، وما يستلزمه الغنى والترف من الاستمتاع بألوان اللهو واللذات، والافتنان في بناء القصور والسفن، وإنشاء الحدائق والمتنزهات. ولقد كان في مرجونا أن نفرد لك فصلا خاصا نضمنه ما كان من الخلفاء في إقامة مبان وقصور وحدائق ودور لم يكن للعرب بها ولا بنظيراتها سابقة عهد، وإنما ألجأتهم إليها المدنية والبذخ، وما أصابوه فيها من رفاهة عيش، وسعة يد، ووفرة غنى، بيد أن ذلك يطول ويخرج بنا عما رسمناه لأنفسنا من القصد والإيجاز، مع الإلمام بكافة النواحي لهذا العصر.

على أنه من الميسور لك أن تتصور مبلغ ما وصل إليه الخلفاء العباسيون وأمراء البيت المالك ورجالات الدولة من الثروة والبذخ، بما أومأنا إليه في كلمتنا عن خراج الدولة وما كان فيها من استصفاء وأعطيات عظيمة.

وقد كانت أيضا الحياة السياسية والفكرية حادة عنيفة، فقد اشتدت الملاحاة بين شيعة العلويين والعباسيين، وبلغ النزاع غايته بين أصحاب المذاهب وزعماء الآراء، ولا تنس أن تضيف إلى ما تقدم ما كان لترجمة العلوم اليونانية وغير اليونانية من أثر بعيد في أفكار الناس وأخيلتهم وأساليبهم، والدقة في تعبيراتهم، والتنظيم فيما لهم من آثار.

وقد كانت الآثار الشعرية لهذا العصر إلى حد ما مرآة صادقة لأحواله وما كان يجري فيه من شئون.

أسرف الناس في شرب الخمر فافتن الشعراء في وصف الخمر ووصف كئوسها، وتخير الناس السقاة من الغلمان ومن في زي الغلمان، فوصف الشعراء السقاة وتغزلوا في الغلمان، وولع الناس بالصيد، فوصف الشعراء الصيد وما يجري في مجال الصيد، وافتن الناس كما قلنا في بناء القصور وغير القصور، ففتحوا المجال واسعا لخيال الشعراء في شتى الأبواب، واشتدت المنافسة السياسية بين شيعة العلويين والعباسيين، فأخذ شعراء كل فريق ينضحون عن رأيهم، ويؤيدون مذهبهم، وألف العلماء في الفقه والأخلاق والكلام، فأخذ الشعراء يعالجون نظم الفقه والأخلاق والكلام، وهكذا تعددت أغراض الشعر، وتنوعت ألوانه.

وتحضر الناس في بغداد وغير بغداد من الحواضر الإسلامية، فرقت طباعهم، ولانت أخلاقهم، ونبت عن الحوشية أذواقهم، فرق شعر أهل الحواضر، وسلست ألفاظه، وبعدت من الحوشية، وترجمت العلوم اليونانية وغير اليونانية من فلسفة ومنطق وأخلاق، فكان لهذه العلوم أثرها في تنظيم أفكار الشعراء ودقة خيالاتهم.

ولو ذهبنا نورد لك شواهد على كل هذا وغيره لأطلنا وأمللنا، وإنما نحيلك على آثار شعراء هذا العصر، كأبي نواس في الخمر وكئوسها، وأوقات شرابها وسقاتها، والغزل بالغلمان، والصيد والطرد، ووصف مظاهر الحضارة العباسية، وكدعبل الخزاعي والسيد الحميري في النزاع السياسي بين العلويين والعباسيين، وكأبي العتاهية في الأخلاق، وأبان بن عبد الحميد في نظم العلوم كالفقه وغير الفقه، وهذه الإحالة لا تمنعنا أن نورد لك أمثالا من آثار هذا العصر الشعرية.

وهنا تعرض لنا ملاحظة نرى إيرادها حتما علينا، وهذه الملاحظة هي أن الشعر في عصر المأمون كان مرآة صادقة للحياة وما يجري فيها من شئون إلى حد ما.

نقول: «إلى حد ما»، ويدفعنا إلى هذا القول معتقدنا القوي الذي تكون لنا من دراستنا لروح هذا العصر، ذلك بأنا نرى كثيرا من شعراء الحاضرة المجيدين في هذا العصر وفي العصر الذي قبله ينحلون نتائج أفكارهم وما تجود به قرائحهم شعراء الجاهلية وأعراب البادية.

ونرى أيضا أن كبار الرواة وأهل الأدب ينشدون الشعر الجيد لمحدث، فيعجبون به على أنه قديم أو لأعرابي، حتى إذا تبين لهم أنه لمحدث أنكروه وازوروا عنه.

عصر المأمون · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧٥