ولو قد ذهبنا نورد من آثار عصر المأمون الكتابية لعدونا القصد وأمللنا، فحسبنا ما أحلناك إلى مراجعته الآن، وهو فيه الكفاية لإثبات ما ذهبنا إليه، وقد أوردنا هذه الرسائل من غير أن نعرض لها بتحليل أو بيان، فهي في وضوحها ودلالتها على ما أردنا من إيرادها غير محتاجة إلى شيء. (5) مجالس المناظرة و«أبهاء» الأدب والغناء والمنادمة
أما مجالس المناظرة ومكانتها السامية في العصر المأموني، فقد وقفت على طرف عظيم منه في الفصول التي عقدناها لك عن المأمون وعلمه وأدبه ودينه وسياسته، فمن نافلة القول وتكراره أن ننقلها لك هنا، وقصارانا أن نقول: إن المناقشات الحادة بين سيبويه والكسائي في شأن مسألة نحوية، وبين الشعراء والأدباء في تفضيل شاعر على شاعر، وبين السنيين والمعتزلة في القول بخلق القرآن، وأبهاء الأدب عند الأمين والمأمون وأنصارهما، وأمراء العرب كأبي دلف وعبد الله بن طاهر وغيرهما، لتدل أوضح الدلالة على ما كان للمناظرة في هذا العصر من مكانة، حتى أصبحت من أهم مميزاته وكبريات آثاره.
وأما المنادمة والغناء، فقد سبق أن نقلنا لك ما رواه صاحب «التاج» عن حالة المنادمة في الصدر العباسي، وقد آن لنا أن نتم لك القول في حالتها في العصر المأموني، ونحيلك في الوقت نفسه إلى كتاب «حلبة الكميت»، و«الأغاني»، و«نهاية الأرب» وغيرها من كتب الأدب، فهي مترعة بأخبار الغناء والمنادمة، غنية بأخبار المنادمين والمغنين.
سئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن رأيه في حال المنادمة في تلك الأيام، فقال عن الأمين: ما كان أعجب أمره كله، فأما تبذله فما كان يبالي أين قعد ومع من قعد، وكان لو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب خرقها كلها وألقاها عن وجهه، حتى يقعد حيث قعدوا، وكان من أعطى الخلق لذهب وفضة، وأنهبهم للأموال إذا طرب أو لها، وقد رأيته وقد أمر لبعض أهل بيته في ليلة بوقر زورق ذهبا فانصرف به، وأمر لي ذات ليلة بأربعين ألف دينار فحملت أمامي، ولقد غناه إبراهيم بن المهدي غناء لم أرتضه، فقام عن مجلسه فأكب عليه فقبل رأسه، فقام إبراهيم فقبل ما وطئت رجلاه من بساطه، فأمر له بمائتي ألف دينار، ولقد رأيته يوما وعلى رأسه بعض غلمانه فنظر إليه فقال: ويلك! ثيابك هذه تحتاج إلى أن تغسل، انطلق فخذ ثلاثين بدرة فاغسل بها ثيابك .
ولقد حدثني علويه الأعسر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سيف عنه قال: لما أحيط به وبلغت حجارة المنجنيق بساطه كنا عنده، فغنته جارية له بغناء تركت فيه شيئا لم تجد حكايته، فصاح: يا زانية، تغنينني الخطأ! خذوها فحملت، وكان آخر العهد بها.
وسئل عن حال المنادمة عند المأمون فقال: أقام بعد قدومه عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء، ثم سمعه من وراء حجاب متشبها بالرشيد، فكان كذلك سبع حجج، ثم ظهر للندماء والمغنين، قال: وكان حين أحب السماع ظاهرا بعينه، أكبر ذاك أهل بيته وبنو أبيه.
ويقال: إنه سأل عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فغمزه بعض من حضر وقالوا: ما يغادر تيها وبأوا، فأمسك عن ذكره، قال: فجاءه زرزر يوما فقال له: يا إسحاق، نحن اليوم عند أمير المؤمنين، فقال إسحاق: فغنه بهذا الشعر:
يا سرحة الماء قد سدت موارده
أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حراك به
محلأ عن سبيل الماء مطرود
فلما غناه به زرزر أطربه وبهجه، وحرك له جوارحه وقال: ويلك! من هذا؟ قال: عبدك المجفو المطرح يا سيدي؛ إسحاق، قال: يحضر الساعة، فجاءه رسوله وإسحاق مستعد قد علم أنه إن سمع الغناء من مجيد مؤد أنه سيبعث إليه، فجاءه الرسول، فحدثت أنه لما دخل عليه ودنا منه مد يده إليه ثم قال: ادن مني فأكب عليه، واحتضنه المأمون وأدناه، وأقبل عليه بوجهه مصغيا إليه مسرورا به.
وحسبنا هذا القدر، وإن أردت زيادة وإفاضة فإنا نحيلك إلى بعض أخبارها في الجزء السادس من كتاب بغداد مع ما ذكرناه لك من المراجع. (6) الشعر