تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعل لكل هذا أو بعضه أثرا ما في تضييق مجال الخطابة والاستغناء عنها بالرسائل والمنشورات العامة، ومهما يكن من شيء فقد ألقيت في عصر المأمون خطب قليلة القدر والقيمة، ننشر لك منها على سبيل المثال خطبتين: إحداهما للمأمون في عيد الفطر، والآخرى تهنئة بمقدم المأمون إلى بغداد.

خطبة المأمون

ألا وإن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ورغبة، يوم ختم به الله صيام شهر رمضان، وافتتح به حج بيته الحرام، فجعله أول أيام شهور الحج، وجعله معقبا لمفروض صيامكم، ومتنفل قيامكم؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم، واستغفروه لتفريطكم؛ فإنه يقال: لا كثير مع ندم واستغفار، ولا قليل مع تماد وإصرار. اتقوا الله عباد الله، وبادروا الأمر الذي لم يحضر الشك فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم؛ فإنه لا يستقال بعده عثرة، ولا يحظر قبله توبة، واعلموا أنه لا شيء بعده إلا فوقه، ولا يعين على جزعه وعلزه وكربه، وعلى القبر وظلمته، ووحشته وضيقه، وهول مطلعه، ومسألة ملكيه إلا العمل الصالح الذي أمر الله به، فمن زلت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته وفاتته استقالته، ودعا من الرجعة ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه، فالله الله عباد الله، كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا الأجل المبسوط لكم، فاحذروا ما حذركم الله منه، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به، ومما يملى في صحيفته الحافظة لما عليه، ولست أنهاكم عن الدنيا بأكثر مما نهتكم به الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها يحذر منها وينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم ما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ذم الله لها والنهي عنها، فإنه يقول تبارك وتعالى:

فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ، وقال:

أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها، وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها، وأدركوا الجنة بما يتركون منها.

خطبة التهنئة

قال ابن أبي طاهر: دخل المأمون بغداد فتلقاه وجوهها، فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مقدمك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن رعيتك، تقدمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وأيأست أن يعاين مثلك، أما فيما مضى فلا نعرفه، وأما فيما يبقى فلا نرجوه، فنحن جميعا ندعو لك ونثني عليك، خصب لنا جنابك، وعذب ثوابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك، جبرت الفقير، وفككت الأسير، والخير بفنائك، والشر بساحة أعدائك، والنصر منوط بلوائك، والخذلان مع ألوية حسادك، والبر فعلك، قد طحطح عدوك غضبك، وهزم مغايبهم مشهدك، وسار في الناس عدلك، وشسع بالنصر ذكرك، وسكن قوارع الأعداء ظفرك، الذهب عطاؤك، والدواة رمزك، والأوراق لحظك وأطرافك. (4) الكتابة

قلنا في كلمتنا عن الكتابة في صدر العصر العباسي: إن أسبابا كثيرة وقوية - ذكرناها هناك - دفعت الكتابة فتعددت أغراضها وتنوعت أساليبها، ومال الكتاب إلى السهولة في العبارة، والتأنق في اللفظ، والجودة في الرصف، وأطالوا في المقدمات، ونوعوا المبدأ والختام، والألقاب والدعاء، ومالوا إلى الغلو والمبالغة.

ثم قلنا بعد كلام: أما الإطناب في الكتابة فكان صفة غالبة في كل ما شمل بيعة أو عهدا أو احتجاجا، أو انتصارا أو تقريرا لمذهب، أو استهواء أو دفعا لشبهة، أو طلبا لنعمة ... إلخ، وقد أثبتنا لك جملة صالحة من آثار العصر المأموني مما يقوم حجة على ما ذهبنا إليه، ونحيلك إلى رسالة أبي الربيع محمد بن الليث إلى قسطنطين ملك الروم، وإلى رسالة يحيى بن زياد الحارثي في تقريظ أمير المؤمنين الرشيد، وقد أثبتناهما لك، نقلا عن النسخة الخطية من كتاب «المنظوم والمنثور» لابن طيفور، في باب المنثور في الكتاب الثاني من المجلد الثاني، كما أثبتنا لك في الكتاب الثالث من المجلد الثالث رسالة قيمة للمأمون تسمى «رسالة الخميس»، كان بعث بها إلى أهل خراسان كمنشور من الخليفة، ورسالة ممتعة لسهل بن هارون خازن بيت الحكمة في عهده، فراجع ذلك ثمة.

عصر المأمون · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧٣