تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بينا لك كل هذا، وقد يكون من التعسف أن نعرض لتحول الآداب في أيام المأمون خاصة، فإنه إذا افترضنا أن الآداب تحولت تحولا خاصا في أيام المأمون، فقد يكون من العسير تبيين هذا التحول وتحديد مداه، ذلك بأن تحول الآداب بطيء، ولا يمكن تبيينه إلا بعد ظهور آثاره ظهورا لا سبيل إلى الشك فيه، بخلاف الحوادث السياسية، فإنك تستطيع أن تؤقت الحوادث السياسية بالسنة، بل بالشهر، بل باليوم، ولا تستطيع ذلك في الآداب إلا بعشرات السنين.

إذن رأينا في الآداب لعصر المأمون هو رأينا في الآداب لصدر العصر العباسي، وإنما الذي حدث أن السبيل التي سلكتها الآداب في صدر العصر العباسي قد بلغت غايتها في أيام المأمون، فعصر المأمون إذن هو الثمرة الناضجة لتغير الآداب في العصر العباسي، أو بعبارة أخرى: يعتبر عصر المأمون العصر الذي بلغت فيه الآداب العربية الذروة من الكمال المقدور لها.

وسبيلنا الآن أن نورد لك من آثار عصر المأمون ما يقوم لديك دليلا على هذه النتيجة، وقد أوردنا من هذه الآثار في المجلد الثالث ما فيه الكفاية. (2) المحادثة أو لغة التخاطب

بدأت لغة التخاطب تنحدر مدارجة عن الفصحى منذ الفتوح الإسلامية بسبب اتصال العرب بغير العرب ممن دان لسلطانهم، وانتظم في ملكهم.

ولقد لاحظنا أثناء مطالعتنا في الطبري وفي غير الطبري في الفترة المأمونية، أن بعض جند خراسان كانوا لا يفهمون العربية فيقولون مثلا: «پسر زبيدة» و«مكن» وغيرها من الألفاظ الفارسية التي أثبتها المؤرخون.

وقد يكون من الممتع حقا أن يخصص باحث ممن لهم اطلاع على لغات البلدان التي فتحها العرب كتابا لدراسة مبلغ تأثر اللغة العربية بلغات من خضع لسلطان العرب في الأرجاء المختلفة، وقصارى ما نقرره هنا أن اللغة العربية تأثرت حقا من أثر الفتوح، سواء أكانت فتوح سيف أم فتوح ثقافات وترجمات قد أضعفت من بلاغة اللسان، ومتانة اللفظ، بقدر ما أغنت من ثروة ذهنية عظيمة.

وإنك إذا ذكرت ما كتبناه في الفصل السادس وفي نظيره من كتابنا عن الصدر العباسي في شأن ما زيد في الألفاظ العربية، من ألفاظ العلوم المترجمة في ذلك العصر، وذكرت أن الموالي الفرس وغيرهم هم الذين قد عهد إليهم بالترجمة والنقل والتحرير، إذا ذكرت هذا إلى جانب ما قدمناه لك، فإنك تسوغ معنا ما نذهب إليه من القول بتأثر اللغة في ذلك العصر.

وفي هذا القدر الكفاية، ولنتدرج إلى ذكر كلمة عن الخطابة. (3) الخطابة

قلنا فيما سبق: إن عصر المأمون كان الثمرة الناضجة للآداب العربية في العصر العباسي، فهل كان الأمر كذلك في الخطابة أيضا؟

أنت تعلم أن قوة الشيء ترجع إلى قوة عوامله وأسبابه، ونحن نرى، معتمدين على ما لدينا من آثار خطابية لهذا العصر، أن أسباب الخطابة وعواملها كانت ضعيفة ضعفا نسبيا، ومن ثم لم تماش الخطابة سائر أنواع الآداب في سبيلها إلى الكمال المقدور لها، ولعل ذلك يرجع إلى ضيق مجالها وضعف الحاجة إليها، فبعد أن كنا نراها في العصر الأموي الوسيلة إلى قمع الفتن ورد البدع، ولسان الخليفة في رعيته، والقائد في جنده، والزعيم في أتباعه، وبعد أن كنا نرى حظها في عصر الانتقال وصدر العصر العباسي لا يقل عن حظها في العصر الأموي لحاجة الدعاية والزعماء إليها، أصبحنا نرى مجالها في عصر المأمون يضيق، حتى كادت تقصر على التهنئة والتعزية والخطب الدينية؛ كالجمعة والعيدين. وضيق مجالها يرجع إلى استغناء الخلفاء العباسيين وعمالهم وقوادهم عنها بالمنشورات العامة، حيث يتبسطون فيها ويضمنونها ما يريدون من أغراض، ثم تتلى على من يراد أن تتلى عليهم، ولعل ذلك لاصطباغ الخلافة العباسية بالصبغة الفارسية، ولاحتجاب الخلفاء عن مخالطة الجماهير، ولأن جل عمال بني العباس في ذلك العصر كانوا من الموالي، وهؤلاء وإن أوتوا حظا عظيما من بلاغة القول وحسن البيان، فقد كانت لا تزال بألسنتهم لوثة من العجمة تحول بينهم وبين ما تقتضيه الخطابة من اندفاع الألفاظ وتدفقها.

عصر المأمون · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧٢