تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل هذا، ومن أخذ ذلك المؤرخ البحاثة بالدقة في كل ما تصدر له جاءت جل بحوثه أفضل من سواه، وأرفع مكانة من غيره، ونحن نستبيح لأنفسنا أن ننقل إليك ما ذكره في هذا الباب، قال: «كان حكم المأمون مجيدا عادلا، وكان عصره مزدهرا بأنواع العلوم والفنون والفلسفة، وكان أديبا مولعا بالشعر متمكنا منه، ولقد حدث مرة أن شاعرا كان ينشد بين يديه قصيدة من مائة بيت، فكان الشاعر كلما أنشد شطر بيت بادره المأمون بشطره الآخر، حتى دهش الشاعر وحار في سرعة بديهته. وكان مجلسه حافلا بالعلماء والأدباء والشعراء والفلاسفة؛ إذ كان يقربهم إليه، ويجزل لهم العطاء، وكما كان عصره عامرا بالعلماء والأدباء والنحاة؛ فإنه كان كذلك حافلا بجماعة المحدثين والمؤرخين والفقهاء؛ كالبخاري والواقدي الذي نحن مدينون له بأوثق السير عن حياة النبي، والشافعي

1

وابن حنبل. وكان المأمون يجل علماء اليهود والنصارى ويحتفي بهم في مجلسه، لا لعلمهم فحسب بل لثقافتهم في لغة العرب وحذقهم في معرفة لغة اليونان وآدابها. ولقد أخرجوا من أديرة سوريا وآسيا الصغرى وسواحل الشام وفلسطين كتبا خطية في الفلسفة والتاريخ وعلم الهندسة لعلماء اليونان وفلاسفتهم، ثم ترجموها إلى العربية بدقة وعناية عظيمة، وبهذه الوسيلة انتقلت علوم الغرب إلى العالم الإسلامي، ولم تقتصر جهود هؤلاء الجهابذة على نقل هذه الكتب القديمة إلى اللغة العربية، بل توسعوا وأضافوا إليها ما اكتسبوه من مباحثهم واطلاعهم، وأقاموا مرصدا في «سهل تدمر» مجهزا بجميع الآلات التي تمكنهم من النجاح في دراسة علمي الفلك والهندسة والتوسع فيهما، وقد صنفوا كتبا في الرحلات والتاريخ ولا سيما كتب الطب، وعنوا عناية كبيرة ببعض علوم تافهة، إلا أنها كانت أكثر ذيوعا وانتشارا كالتنجيم والكيمياء، وكان لمجهود هؤلاء العلماء الأثر الأكبر في نهضة أوروبا التي كانت غارقة في بحار الجهالة في العصور الوسطى؛ حيث أيقظتهم من غفلتهم، وأنارت لهم سبل علومهم التي كانوا أغفلوها، وهي علوم اليونان وفلسفتها.» ا.ه.

ويقول الأستاذ البحاثة «كرد علي» في بحث طريف له: إن عصر المأمون قد ازدان بكثير من حملة الشريعة والأدب، منهم: يحيى بن أكثم، وأبو محمد اليزيدي، والحسن بن زياد، وأبو داود الطيالسي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن الأعرابي، والنضر بن شميل، وأبو عمرو الشيباني، ومحمد بن عمر الواقدي، وأبو عبيدة، والفراء، والأخفش، والأصمعي، والصغاني، والضبي، والشافعي، وابن سعد، وأبو داود، وابن أبي دواد، وابن حرب، وابن حنبل، والجاحظ، والقواريري، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وابن الجعد، وابن علية الأكبر، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، وأبو العوام البزاز، وابن شجاع، وبشر المريسي، وبشر بن الوليد، وسجادة، ومحمد بن نوح، وأبو هارون بن البكاء، والهذيل محمد بن الهذيل، وأبو زكريا المري، ومحمد بن مبشر، إلى مئات غيرهم كانوا فخر الدولة وعنوان نبوغ الأمة.

أما الشعراء والكتاب فكانوا طبقة عالية كثيرة العدد كالحصى، جيدة المنحى والأسلوب، تغلب الرقة والجزالة على أهل هاتين الصناعتين، تأثروا كلهم بالحضارة الجديدة حتى غدا الشعر المدني البديع ظاهر الاختلاف عن الشعر الجاهلي، بعيدا عن وصف الأطلال والدمن والركاب وطلب الثأر والمفاخرات الفارغة. هذا، وكان الجمهور يشارك الأدباء في فهم الشعر، وقدر الخطب والرسائل قدرها، فلم يكن الشعراء في واد والأمة في آخر، بل كان الشاعر أو الكاتب إذا قرض شعرا أو حبر خطابا تتناقله الأيدي في الحال، وتتعاوره الرواة فيفشو في الأمصار، وهذا ما كان يزيد في طلاوة أدب الأديب، وشعر الشاعر، وخطبة الخطيب، ويحثه على تجويد مقاله. ا.ه.

وبعد، فقد بينا في كلمتنا عن الحياة الأدبية في صدر العصر العباسي ما أخذت تتحول إليه الآداب العربية عامة في الألفاظ والأساليب والمعاني والأغراض، وبينا لك الأسباب التي كانت تبعث على هذا التحول، من شدة الامتزاج بين العناصر المختلفة التي خضعت لسلطان العرب بالغرب، وما استتبعه هذا الامتزاج من إضافة ثقافات ومدنيات جديدة إلى ما كان للعرب من ثقافة ومدنية، ومن اتساع السلطان وامتداد أطرافه، ومن تشجيع الخلفاء لأهل العلم، وإكرامهم لرجال الأدب، ومن انصراف همم أولي الفضل إلى التأليف والترجمة، ومن كثرة حاجات الناس وتنوعها، حتى اضطرت اللغة أمام هذه العوامل وغيرها، مما سبق أن بيناه لك، أن تنفرج جوانبها لتسع هذه الأغراض، ولتقوم بحاجات الناس طبقا لمقتضيات العصر وخضوعا لسنة التحول.

عصر المأمون · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٧١