4
وعلى ممر السنين تحولت فكرة المأمون في خلق القرآن من مجرد رأي إلى إعلانه المشئوم الذي حمل فيه رعاياه بالاضطهاد والعقوبات على اتخاذه عقيدة لهم.
وقد أرسل إلى والي بغداد وهو في حملته الأخيرة على الروم أمرا بأن يجمع كبار العلماء والفقهاء ويمتحنهم في هذه المسألة الخطيرة، ويرسل إليه إجابتهم، وقد تأثر كثير من العلماء في مجلس المناظرة الذي كان أشبه بمحكمة التفتيش، حتى أظهروا القول بخلق القرآن، إلا أن البعض بقي ثابتا على عقيدته بأن القرآن غير مخلوق؛ كأحمد بن حنبل صاحب المذهب الحنبلي الذي حملوه مكبلا بالحديد إلى معسكر الخليفة.
ولقد ذكر التاريخ أن اثنين من هؤلاء المخالفين هددا بالقتل، وأرسل عشرون منهم تحت خفارة حراس لينتظروا في «طرسوس» عودة الخليفة من حروبه، ولكن جاءتهم الأنباء في أثناء سيرهم في الطريق بموت المأمون. ولقد سودت أمثال هذه الفظائع سمعة المأمون في سنوات كثيرة.» ا.ه.
ذلك هو رأي المتشرق «ميور»، ولنرجع الآن إلى معالجة الإجابة عما تساءلت عنه فنقول: إنك جد عالم بأن المأمون كان تلميذا ليحيى بن المبارك الزيدي المتهم بالاعتزال، جد عالم بصلته بثمامة بن أشرس، زعيم المذهب الثمامي في الاعتزال وإعجابه به، حتى عرض عليه الوزارة مرتين، كما أسلفنا لك القول في باب الوزارة، جد عالم بأن المأمون كان يعقد مجالس للكلام في مختلف البحوث، وكان من نتائج هذه المجالس أن قرب إليه كل متكلم حاذق أو مفكر بصير بمداخل القول ومخارجه؛ مثال أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار وغيرهم، وأنت جد عالم بأن ثمامة والعلاف وإبراهيم كانوا من مشيخة الاعتزال، أنت جد عالم بهذا كله، فلا غرو أن حبب هؤلاء القوم إلى المأمون مذهبهم، ولا غرو أن كانت مهمتهم ميسورة معبدة؛ لأنهم وجدوا من المأمون ذلك التلميذ المتأثر بمذهب أستاذه ابن المبارك.
كل هذه العوامل كانت في الواقع ناحية واحدة، ولها أثرها القوي في تنمية النزعة الاعتزالية في نفس المأمون، بيد أن هنالك ناحية قوية أخرى لها أثرها القوي أيضا، تلك الناحية هي حركة النقل والترجمة، تلك الحركة التي حببت إلى المأمون الفلسفة وما إلى الفلسفة، ووجهت عنايته إلى المنطق وما إلى المنطق، وبعثت في نفسه حب أرسططاليس، حتى أصبح موضع تفكيره في يقظته ونومه. وصفوة القول أن الناحية الثانية لم تكن لتقل عن الأولى أثرا، فقد هيأت منه ذلك التسامح الذي يتبع ما توحي به سلسلة أفكاره.
وسترى في أخذه بالقول بخلق القرآن إلى أي مدى دفعت به حرية التفكير حتى وصلت به إلى ما يناقض حرية التفكير؛ لأنه ليس من حرية التفكير في شيء تلك الطريقة الشاذة في إلزام العلماء وجلة الفقهاء الأخذ بمذهبه، وليس من حرية التفكير في شيء تلك النتائج السيئة التي انتهت إليها مأساة القول بخلق القرآن في أيام المعتصم وأيام غير المعتصم.
وقد أثبتنا لك في باب المنثور في الكتاب الثالث من مجلدنا الثالث مثلا مما كتبه المأمون إلى ولاته في الأخذ بمذهبه في القول بخلق القرآن، وهو كتابه إلى إسحاق بن إبراهيم، كما أثبتنا لك ما رواه لنا الطبري مما حصل وقتئذ، فراجعهما ثمة.
| هوامش
الفصل التاسع
| الحياة الأدبية في عصر المأمون
(1) توطئة
لكتاب الخلافة «للسير وليام ميور» مكانة رفيعة في التاريخ العربي، ولا سيما عصرنا المأموني، بناحيتيه العلمية والأدبية؛ ذلك لأن الرجل إلى جانب دراسته الدقيقة لمؤلفات العرب وكتابات العرب وبحوث المؤرخين العرب، لم يترك مصدرا من مصادر المتشرقين أمثال: «نولدكه» و«كريمر» و«هرزلد» و«أمرز» و«بربياد» و«مينارد» و«چوچ»، وغيرهم من عشرات المؤرخين إلا وقد استوعبه واستقصى البحث فيه، كذلك لم يترك مصدرا من مصادر التاريخ الفارسي، وهو كما نعلم شديد الصلة بعصرنا المأموني، من غير أن يدرسه حق دراسته ويفهمه حق فهمه، فطالع فيما طالعه في ذلك الباب آثار «ماكولم» و «فرازر» و«برون» و«سيكس» و«جوجينس» وغيرهم.