أما فن التاريخ والجغرافيا فلم تبدأ العناية الجدية بهما إلا منذ أيام اليعقوبي وابن خرداذيه
2
في نهاية القرن الثاني.
وأما العلوم القرآنية وما تفرع عنها فقد سبق أن أشرنا إليها في بابها من العصر العباسي، ويظهر أن عناية المأمون بها لم تكن مثل عنايته بالفلسفة اليونانية وما إليها، اللهم إذا كانت موجهة إلى الناحية الاعتزالية الكلامية.
وقد آن لنا الآن أن نتكلم عن القول بخلق القرآن لاتصاله وكبير أثره في الحياة العلمية والعقلية في عصر المأمون. (5) القول بخلق القرآن
يقول ابن الأثير في تاريخه عن هشام بن عبد الملك: إن الجعد بن درهم قد أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام، فأخذه وأرسله إلى خالد القسري، وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشاما، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلما صلى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى، ولا اتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل وذبحه.
ويقول ابن الأثير في حياة مروان بن محمد: إن سبب تسميته بالجعدي ذهابه مذهب الجعد بن درهم في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك.
ومن هذا تعلم أن القول بخلق القرآن بدعة نبتت في العصر الأموي، ثم لم تجد الجو الذي تنمو فيه وترعرع حتى كان عصر المأمون، فوجدت من شخصيته العالمة، ومن نفوذه العظيم ونفوذ علمائه خير متعهد لنمائها، حريص على نصرتها، شديد اليد بالبطش على مخالفيها.
ولعلك تتساءل لم وجد القول بخلق القرآن من المأمون الصدر الرحب والعامل على نصرته؟ وهل كان موفقا فيما أخذه على عاتقه أو قد اشتد به الغلو في تأييد وجهة نظره حتى خرج به عن القصد؟
ونحن قبل أن نجيبك عن هذه الأسئلة وقبل أن نعرض للموضوع من وجهاته المختلفة، نريد أن ننقل لك كلمة للأستاذ «ميور» في هذا الصدد، وهي وإن لم تكن تتفق مع وجهة نظرنا في هذا المبحث، تبين لنا وجهة نظر متشرق بحاثة كبير فيما نحن بصدده.
يقول الأستاذ «ميور» في الفصل الذي عقده عن المأمون في كتابه الممتع «الخلافة»: «وفي الحق أن المأمون كان متعصبا لفارس مسقط رأس أمه وزوجه، شديد الميل إلى العلويين، ونشأ عن ذلك في السنوات الأخيرة من حكمه مزيج من حرية الأفكار والتعصب، وكان المأمون في بعض هذه المسائل واسع الحرية حقا لدرجة مدهشة، وقد ألغى من بضع سنوات مضت الأمر الذي كان أسلافه في أصدروه يحرمون فيه ذكر معاوية أو أحد الأمويين بخير، وأباح للمسيحيين حرية المناقشة في أي الدينين أفضل: الإسلام أم المسيحية، غير أن ميوله الفارسية التي كان يجنح إليها دائما دفعته أخيرا أن يتناقش بحماسة في نظريات المعتزلة الذين أباحوا حرية التفكير، ثم أحاط المأمون نفسه بالفقهاء وعلماء الدين من كل فئة، وأباح لهم المناقشة في حضرته في نظريات كان البحث ممنوعا فيها؛ كعلاقة الإنسان بخالقه، وطبيعة الألوهية وغير ذلك، وأخيرا أعلن تحوله إلى عقائد تخالف تعاليم الدين الصحيحة، فمن ذلك أنه كان يعتقد بمذهب الذين يقولون بالاختيار لا بالجبر، وأن القرآن وإن كان وحيا إلا أنه مخلوق، بدلا من العقيدة
3
التي كانت لا تنازع؛ وهي أن القرآن أزلي غير مخلوق، وأعلن المأمون أيضا أن عليا أشرف الخلق بعد النبي، وعلى هذه النظرية بنيت نظرية الإمامة المقدسة أو الزعامة الدينية التي كانت تنتقل من عضو إلى آخر من بيت علي، وبدأ في تلقين الناس أنه يوجد مصادر أخرى غير القرآن والحديث يمكن الاسترشاد بها في مسائل الدين، وفسر القرآن تفسيرا من غير تقييد بلفظه، وبذلك ذللت صعوبات كثيرة كانت تعترض حرية التفكير أو تقف عثرة في تقدم العمران؛ كإباحة شرب الخمر «كذا!» وزواج المتعة.