تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما أن المأمون أفاد عصره بمؤلفاته الخاصة، فهذا ما لا ريب فيه أيضا، وهاك ابن النديم يحدثنا في فهرسته أن للمأمون من الكتب كتاب جواب ملك البرغر فيما سأل عنه من أمور الإسلام والتوحيد، ورسالته في إعلان النبوة.

وأما عن الحركة العلمية المأمونية ورجالاتها ومؤلفاتهم، فهذا ما نحن مقبلون على بحثه؛ يحدثنا ابن أبي أصيبعة في طبقاته عن أوكد الأسباب عند المأمون لاستخراج الكتب، فيقول: «قال يحيى بن عدي: قال المأمون: رأيت فيما يرى النائم كأن رجلا على كرسي جالسا في المجلس الذي أجلس فيه فتعاظمته وتهايبته وسألت عنه، فقيل لي: هو أرسطوطاليس، فقلت: أسأله عن شيء، فسألته فقلت: ما الحسن؟ فقال: ما استحسنته العقول، فقلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنته الشريعة، قلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنه الجمهور، قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم، فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب.»

فإن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة في بلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر، وابن البطريق، وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل، وقد قيل: إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم، وأحضر المأمون أيضا حنين بن إسحاق، وكان فتي السن، وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب الحكماء اليونانيين إلى العربي وإصلاح ما ينقله غيره، فامتثل أمره.

ومما يحكى عنه أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربي مثلا بمثل، وقال أبو سليمان المنطقي: «إن بني شاكر؛ وهم: محمد وأحمد والحسن كانوا يرزقون جماعة من النقلة منهم حنين بن إسحاق، وحبيش بن الحسن، وثابت بن قرة وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار للنقل والملازمة.»

ويقول القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي: «إن العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها، حاشا صناعة الطب، فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير منكرة عند جماهيرهم؛ لحاجة الناس طرا إليها، فهذه كانت حال العرب في الدولة الأموية، فلما أدال

1

الله تعالى للهاشمية، وصرف الملك إليهم ثابت الهمم من غفلتها، وهبت الفطن من موتتها، فكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور، وكان مع براعته في الفقه كلفا بالفلسفة وعلم النجوم، ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هارون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطوطاليس وأبقراط وجالينوس وأوقليدس وبطلميوس وغيرهم من الفلاسفة، فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن، ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها، وكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكراتهم، علما منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه، ونخبته من عباده، وأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة، وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في دقة الصناعة العملية، والتباهي بأخلاق النفس والتفاخر بالقوى؛ إذ علموا أن البهائم تشركهم فيها، وتفضلهم في كثير منها.» فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى، وسادة البشر، وأوحشت الدنيا لفقدهم.

فهذا الحلم الذي قيل: إنه دفع بالمأمون إلى الاستهامة بأرسطو ومؤلفات أرسطو، أو بعبارة عملية أدق: هذا الميل إلى الفلسفة والمنطق عند المأمون كان من آثاره حركة نقل وتأليف عنيفة قوية، ويخيل إلينا أن المأمون لاتساع دائرة معارفه العامة، ورغبته في القياس العقلي، وتأثره بمذهب الاعتزال - كما سترى في كلمتنا التي عقدناها لك في القول بخلق القرآن - كان لذلك كله وأمثاله أكبر رجل عمل في انتشار حركة الترجمة والتأليف، وخاصة في مؤلفات أرسطو، وكان من نتائج إقبال العرب وغيرهم على تلك المؤلفات وأمثالها أن تولد عندهم علم الكلام والفلسفة الأفلاطونية الجديدة. (2) حركة الترجمة والنقل

عصر المأمون · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٦١