تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فلقد حللنا شخصية المأمون الفذة البارزة بما استحقته من الاستقصاء والاستيعاب والدرس والتحليل، وأعقبنا كل كلمة عن سجاياه ما نعتبره موضع العظة والاعتبار من دراسة هذا العصر المترع بالمثل العليا، ونأمل أن نكون قد وفقنا فيما رمناه من إصابة شاكلة الحق ولباب الصواب.

| هوامش

الفصل الثامن

| الحياة العلمية في عصر المأمون

(1) توطئة

قيل: إن سهل بن هارون كان يتولى الهيمنة على إدارة دار الكتب الخاصة بالدولة المأمونية في بغداد، وكانت تعرف ببيت الحكمة، كما كان يتولى تنظيم خزانة المأمون، وقيل: إن بيت الحكمة هذا أنشئ في الغالب أيام الرشيد، حيث قد جمع له فيه البرامكة من الكتب ما وفقوا إليه هندية كانت أو فارسية أو يونانية.

وقيل: إن يحيى بن أبي منصور الموصلي، المنجم المعروف وأحد أصحاب الأرصاد في العصر المأموني، ومحمد بن موسى الخوارزمي، صاحب الأزياج وصورة الأرض، كانا من خزنة دار الحكمة المأمونية، كما كان جد أحمد الطيبي المعروف بالصنوبري الحلبي والفضل بن نوبخت وأولاد شاكر وغيرهم من رجالات بيت الحكمة في العصر المأموني، أو ممن كان يتردد على هذه الدار للعمل فيها بصفة رسمية أو للمطالعة أو النسخ أو الترجمة أو التأليف.

وقيل: إن الراوية النسابة المعروف علان الشعوبي الفارسي الأصل كان ممن ينسخ في بيت الحكمة، أو في أحد بيوت الحكمة هذه؛ إذ يلوح لنا أنها كانت على الأرجح أكثر من بيت للرشيد والبرامكة والمأمون.

وقيل: إن المأمون بعث إلى حاكم صقلية المسيحي أن يبادر بأن يرسل إليه مكتبة صقلية الشهيرة الغنية بكتبها الفلسفية والعلمية الكثيرة، وإن الحاكم تردد في إرسالها، وكان بين الضن بها والحرص عليها والخوف من القوة المأمونية والهيبة المأمونية، ومن أجل ذلك جمع كبار رجالات الدولة وأدلى إليهم بطلب المأمون، فأشار عليه المطران الأكبر بقوله: «أرسلها إليه؛ فوالله ما دخلت هذه العلوم في أمه إلا أفسدتها.» فأذعن الحاكم لمشورته وعمل بها.

ويقول الأستاذ كرد علي: «إن المأمون هو الذي جمع بعض حكماء عصره على صنعة الصورة التي نسبت إليه، ودعيت الصورة المأمونية، صوروا فيها العالم بأفلاكه ونجومه، وبره وبحره وعامره وغامره، ومساكن الأمم والمدن إلى غير ذلك، وهي أحسن مما تقدمها من جغرافية بطلميوس وجغرافية مارينوس، وقد وضع له علماء رسم الأرض - وقال الزهري: إنهم كانوا سبعين رجلا من فلاسفة العراق - كتابا في الجغرافية أعان عمال الدولة على التعرف إلى البلاد والأمم التي أظلتها الراية العباسية، هذا إلى عنايته بالفلك، وفلكيه الفزاري أول من استعمل الأسطرلاب من العرب، وعني بالطبيعة والرياضيات فوق عنايته بالطب ومعرفة العقاقير والنبات والحيوان، إلى ما شاكل تلك العلوم مما كان له الأثر المحسوس في إدخال المدنية على دولة العرب، وفتح به المأمون باب العقل على مصراعيه في كل مطلب وشأن.»

قيل هذا، وقيل أكثر من هذا مما يدلنا دلالة صحيحة أو دلالة تقريبية على كثرة الكتب في العهد المأموني، ومما يشير إلى عدم قلتها في أيام من سبقه من الخلفاء العباسيين.

والآن يحق لنا أن نتساءل: هل أفاد المأمون من هذه الكتب؟ وماذا أفادنا المأمون خاصة؟ وما هي الحركة العملية المأمونية، ومن هم رجالها؟ وما هي مؤلفاتها؟!

يحق لنا أن نتساءل عن ذلك وعن مثل ذلك، ويحق لنا أن نعرض لهذه البحوث وأن نوضح بعض ما كنا أجملناه في كلمتنا عن الحياة العلمية في العصر العباسي.

أما أن المأمون أفاد من كتب عصره سواء أكانت مترجمة عن اليونانية أوالفارسية أو غيرهما، أم كانت مؤلفة موضوعة، فهذا ما لا شك فيه مما قد تبينته فيما وضحناه لك عند تعرضنا لتحليل شخصية المأمون، وحين تكلمنا عنه تلميذا، وولي عهد، وخليفة، وأديبا، وعالما، وسياسيا، وباحثا دينيا.

عصر المأمون · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٦٠