أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا
والله يا أمير المؤمنين، لقد مررت منذ أيام في شارع الخلد وأنا أريد الدار، فإذا إنسان قد بسط كساءه، وألقى عليه أدوية وهو قائم ينادي عليها: هذا الدواء لبياض العين والعشا والغشاوة والظلمة وضعف البصر، وإن إحدى عينيه لمطموسة، وفي الأخرى مؤسى له، والناس قد انثالوا عليه وأجفلوا إليه يستوصفونه، فنزلت عن دابتي ناحية ودخلت في غمار تلك الجماعة فقلت: يا هذا، أرى عينك أحوج هذه الأعين إلى العلاج وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنه شفاء لوجع العين، فلم لا تستعمله؟ فقال: أنا في هذا الموضع منذ عشر سنين ما مر بي شيخ أجهل منك، فقلت له: وكيف؟ قال: يا جاهل، أين اشتكت عيني؟ قلت: لا أدري، قال: بمصر، فأقبلت علي تلك الجماعة فقالوا: صدق الرجل، أنت جاهل، وهموا بي، فقلت: لا والله، ما علمت أن عينه اشتكت بمصر، فما تخلصت منهم إلا بهذه الحجة.»
نريد بعد ما قدمناه لك أن نقول لك: إن مذهب المأمون الديني كان متمشيا تماما مع مذهبه السياسي، وإنه إذا كان يريد من وراء خطته السياسية من التزوج من هذا الحزب وذاك، ومن إرضاء هذا الطرف وذاك أن يظفر بتكوين وحدة سياسية من شتى الأحزاب ولو أدى ذلك أن يكون من العلويين خليفة، ثم من العباسيين خليفة ما دامت بغيته متحققة من استتباب الأمن، وامتزاج الأحزاب، وتوحيد القوى، فكذلك كان يريد أن يتخذ من مذهبه الديني مذهبا وسطا. ويخيل إلينا من النتائج التي وقفنا عليها من دراسة هذا العصر أن المأمون لم يظفر بغايته لا من الوجهة السياسية كما علمت من انتهاء حياة الرضا من آل محمد، ولا من الوجهة الدينية.
وبعد، فقد قلنا لك: إن الدين للديان جل جلاله، وأكبرنا وأكبرت معنا أولئك الولاة الذين يحترمون ما للجماعات من آراء ومعتقدات وديانات، ويظهر أن المأمون لم يكن فيما رامه في هذا السبيل موفقا توفيقه فيما عداه، وأن له زلة كان يجدر ألا يقع مثله في مثلها، وسترى ذلك موضحا في الفصل الذي عقدناه عن «محنة القرآن». (14) كلمة ختامية عن المأمون
وإنا بعد أن حللنا شخصية المأمون بما يجب من التفصيل والتوضيح، نرى من المستصوب أن نضم إلى آراء المؤرخين العرب وروايات المعاصرين للمأمون التي لا تخلو من مبالغة في تمدحهم بفضائله، رأي مؤرخ متشرق عكف على دراسة عصر المأمون، وهو السير وليم موير، فربما أفادنا كثيرا من ناحية استيعاب وجهات النظر عند الفرنجة من المؤرخين، ذلك لأن الحقيقة العلمية لا تخدم بمثل ما يخدمها تباين الآراء واختلاف المصادر وتناقض الروايات، وليس من مهمتنا أن نعرض للرد على «السير موير»، وإنما نحن بسبيل إثبات وجهات النظر المختلفة كما قلنا.
قال الأستاذ موير في كتاب الخلافة في مختتم بحثه عن المأمون ما نترجمة لك بنصه: «فمما لا نزاع فيه أن المأمون كان على وجه العموم متصفا بالعدل والحلم، وإنما يؤخذ بأنه كان متقلبا في آرائه وشعوره، سواء أكان ذلك في المسائل السياسية أم الدينية».
ويرجع السبب في ذلك إلى نزعته الفارسية التي ورثها عن أمه، والبيئة التي ربي فيها من جهة، وإلى غريزة حبه للاستسلام بتأثير من حوله كما كان حاله مع الفضل من جهة أخرى.
على أننا مع اعترافنا بعدله لا نستطيع أن ننزهه عن الجنوح في بعض الأحايين إلى الجور واستعمال القسوة من غير مسوغ، فإنه قد تصرف في بعض الحوادث تصرف الجبابرة والقساة من أسلافه الذين أتوا من المنكرات ما سودوا به صحائف تاريخهم.
وسأذكر على سبيل المثال حادثة استعمل فيها المأمون وحشية غريبة، ذلك أن أبا دلف - وكان بطلا من أشراف العرب وزعيما لإمارة همذان؛ إذ كان من أسرة كريمة نالت شهرة عظيمة وصيتا واسعا بين عشائرها وذوي البيوتات فيها - كان من الذين انضموا إلى نصرة الأمين وشايعوه، فلما قتل واستقل المأمون بالخلافة، أبي أبو دلف أن يدخل في طاعته، وآثر العودة إلى مسقط رأسه في فارس، فمدحه شاعر أعمى بقصيدة رائعة، وغالى في مدحه وإطرائه، ووصفه بأنه أشرف العرب والمقدم عليهم، فاغتاظ المأمون من الشاعر غيظا شديدا؛ إذ ظن أن الشاعر يقصد إهانته، فأمر بتعذيبه وقتله شر قتلة، ولكن لم يمض على ذلك غير قليل من الزمن حتى دخل أبو دلف في طاعة المأمون، فاحتفل به وقربه إليه، فإن كان تجاوزه عن أبي دلف وسعة حلمه عليه مما يعظم شأن المأمون، ويدل على رحابة صدره، فهذا التجاوز لا يغير حكمنا عليه بالقسوة الوحشية في قتل ذلك الشاعر الأعمى، ولو أغضينا عن الشبهات التي حامت حول مقتل الفضل وموت علي الرضا غدرا وغيلة، فإننا لا نستطيع أن نغضي عن معاملته الجائرة لابن عائشة، وما لقيه هرثمة وطاهر مع تفانيهما في نصرته وتوطيد حكمه، واضطهاده لكثير من أجلاء المفكرين وأصحاب الآراء المخالفة لرأيه في بعض مسائل الدين في مجلس المناظرة، مما يدل على قسوته، إلا أننا إذا راعينا طول مدة حكمه وموقفه النبيل في عفوه عن الخارجين عليه في بغداد، نرى كفة عدله وحلمه أرجح من كفة جوره وقسوته، وقصارى القول أن عصر خلافته كان بوجه الإجمال من أزهى عصور التاريخ الإسلامي. ا.ه. •••