تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قد وضع يده عليه أو شرب فيه أو مسه، وما هو عندي بثقة ولا دليل على صدق الرجل، إلا أني بفرط النية والمحبة أقبل ذلك فأشتريه بألف دينار وأقل وأكثر، ثم أضعه على وجهي وعيني وأتبرك بالنظر إليه وبمسه، فأستشفي به عند المرض يصيبني أو يصيب من أهتم به، فأصونه كصيانتي نفسي، وإنما هو عود لم يفعل شيئا ولا فضيلة له تستوجب المحبة إلا ما ذكر من مس رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا أرعى حق أصحابه وحرمة من قد صحبه وبذل ماله ودمه دونه، وصبر معه أيام الشدة وأوقات العسرة، وعادى العشائر والعمائر والأقارب، وفارق الأهل والأولاد، واغترب عن داره ليعز الله دينه ويظهر دعوته، يا سبحان الله! والله لو لم يكن هذا في الدين معروفا لكان في الأخلاق جميلا، وإن من المشركين لمن يرعى في دينه من الحرمة ما هو أقل من هذا. معاذ الله مما نطق به الجاهلون، ثم لم ترض هذه الطائفة بالعيب لمن خالفها حتى نسبته إلى البدعة في تفضيله رجلا على أخيه ونظيره ومن يقاربه في الفضل، وقد قال الله جل من قائل:

ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض

ثم وسع لنا في جهل الفاضل من المفضول، فما فرض علينا ذلك ولا ندبنا إليه إذ شهدنا لجماعتهم بالنبوة، فمن دون النبيين من ذلك بعد إذ شهد لهم بالعدالة والتفضيل امرؤ لو جهله جاهل رجونا ألا يكون اجترح إثما. وهم لم يقولوا بدعة فيمن قال بقول واحد من أصحاب النبي

صلى الله عليه وسلم

وشك الآخر، واحتج في كسره وإبطاله من الأحكام في الفروج والدماء والأموال التي النظر فيها أوجب من النظر في التفصيل، فيغلط في مثل هذا أحد يعرف شيئا، أو له روية أو حسن نظر، أو يدفعه من له عقل، أو معاند يريد الإلطاط،

13

أو متبع لهواه ذاب عن رياسة اعتقدها.

وطائفة قد اتخذ كل رجل منهم مجلسا اعتقد به رياسة لعله يدعو فئة إلى ضرب من البدعة، ثم لعل كل رجل منهم يعادي من خالفه في الأمر الذي قد عقد به رياسة بدعة، ويشيط

14

بدمه، وهو قد خالفه من أمر الدين فيما هو أعظم من ذلك، إلا أن ذلك أمر لا رياسة له فيه، فسالمه عليه وأمسك عنه عند ذكر مخالفته إياه فيه، فإذا خولف في نحلته، ولعلها مما وسع الله في جهله بها، أو فيما اختلف السلف في مثله، فلم يعاد بعضهم بعضا، ولم يروا في ذلك إثما، ولعله يكفر مخالفه أو يبدعه أو يرميه بالأمور التي حرمها الله عليه من المشركين دون المسلمين، بغيا عليهم، وهم المترقبون الفتن، والراسخون فيها، لينهبوا أموال الناس ويستحلوها بالغلبة، وقد حال العدل بينهم وبين ما يريدون، يزأرون على الفتنة زئير الأسد على فرائسها.

وإني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا - بتوفيق الله وتأييده ومعونته على إتمامه - سببا لاجتماع هذه الطوائف على ما هو أرضى وأصلح للدين، إما شاك فيتبين ويتثبت فينقاد طوعا، وإما معاند فيرد بالعدل كرها.

ولقد هم في سبيل علويته هذه أن يلعن معاوية، وأن يكتب بذلك كتابا يقرأ يوم الدار وحفل الناس، فثناه عن ذلك يحيى بن أكثم. وقد يكون من الممتع الطريف حقا أن نذكر لك ما قاله يحيى وغيره لتتبين نفسية الزعماء فيما نحن بسبيله. «قال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا، ولا سيما أهل خراسان، ولا تأمن أن تكون لهم نفرة وإن كانت لم تدر ما عاقبتها ، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصلح في السياسة، وأحرى في التدبير، فركن المأمون إلى رأيه، ثم دخل عليه ثمامة، أحد المعاصرين، فقال له المأمون: يا ثمامة، قد علمت ما كنا دبرناه في معاوية، وقد عارضنا رأي هو أصلح في تدبير المملكة وأبقى ذكرا في العامة، ثم أخبره أن ابن أكثم خوفه إياها، وأخبره بنفورها عن هذا الرأي، فقال ثمامة: يا أمير المؤمنين، والعامة في هذا الموضع الذي وصفها به يحيى، والله لو وجهت إنسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك بعصاه عشرة آلاف منها، والله يا أمير المؤمنين، ما رضي الله جل ثناؤه أن سواها بالأنعام حتى جعلها أضل منها سبيلا، فقال تبارك وتعالى:

عصر المأمون · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٥٨